قضايا و مدارات -د.عثمان البدرى -القمح والأسعار والمخزون الإسترايجى وما أدراك ما هو؟

تناقلت الوسائط أن وزير المالية المكلف حينها قد وجه بتسليم القمح المخزون الإستراتيجى بالسعر التركيزي وهو مليون وثمانمائة جنيه الجوال…والذى أعلنه السيد رئيس الوزراء السابق الأستاذ معتز موسى عبدالله سالم فى اجتماع مجلس الوزراء القومى بمدينة ود مدنى حاضرة ولاية الجزيرة والحاضنة الوطنية الكبرى للقطن و القمح. و ذلك الحديث أثار ضجة كبرى فى أوساط المزارعين. هنالك حالات محددة يتم اتخاذ قرار إجبارى بالتسليم وهي إذا كانت البلاد تواجه كارثة ماحقة تهدد حياة المواطنين، مثلا عند انتشار مجاعة أو شح شديد أو احتكار مضر يودى بحياة الناس. تلك غير متوفرة الآن ولله الحمد والفضل والمنة. فقد كان موسم الأمطار موسماً فوق المعدل بكثير وإنتاحية المحاصيل خاصة محاصيل القوت جاءت ذات إنتاحية جيدة فوق المعدل. فليس هنالك شح مضر بعامة الناس. والأمر الثانى ليس احتكارا مضرا ، أي بمعنى أن كل السلعة فى يد واحدة أو عند مجموعة محدودة أقل من أصابع اليد يمكن أن تؤدى أفعالها

Monoplistic Practices مجتمعة أو منفردة لما ينتج عن الممارسات الاحتكارية من ضرر على مجموعات كبيرة من السكان. وعليه فليس للقرار حيثيات قوية تبرره.

الأمر الثانى هو أن المنتجين عديدون تم تمويلهم بعدة طرق و أنماط. منهم من قام بالتمويل الذاتى من موارده و من تمول جزئياً من بعض الجهات، و منهم من تمول بصيغ المرابحة و استلم مدخلات بشعار المرابحة، و هي تعنى أن يسدد المرابحة نقداً أو عيناً فى حدود، و إن كان التمويل سلماً فهو بشروطه، و العقد هو شريعة المتعاقدين  .ولم نسمع أن جهاز المخزون الإستراتيجى قام بالتمويل مرابحة أو سلماً أو مزارعة أو مضاربة أو غيرها من الصيغ، و لم نسمع له خبراً أو  حساً أو ركزاً.

السعر المعلن هو سعر تركيزي، وهو يعني أن الدولة مستعدة للتدخل لشراء ممن يرغب من المزارعين بالسعر المعلن إذا انخفضت الأسعار فى السوق دون سعر التركيز المعلن وليس أي شئ آخر.أما ما شاع بغير ذلك فليس له مسوغ شرعاً أو قانوناً أو اقتصادياً ولا عملياً، وليست هنالك ضرورة له بدءاً .

إن للمخزون الإستراتيجى دور، فلينظر من أين يسد الفجوة بأرخص أسعار القمح المعروض في الأسواق العالمية، ومن أين وكيف يوفر أموال الاستيراد من موارد حقيقية حتى يتم الحفاظ على الموارد الخارجية وإزالة عجز الميزان التجارى، الضيق الذى نشعر به ليس فى غلاء الإسعار التى يستورد بها القمح أو يباع بها الخبز، فلا يوجد  خبز فى العالم بسعر سبعين قطعة خبز بدولار فى العالم، اذن العلة الاساسية ليست غلاء الخبز أو القمح ، بل العلة الرئيسية هي تدنى وتآكل القوة الشرائية والقيمة التبادلية للجنيه السوداني، فيجب التركيز على إيقاف هذا التآكل والتثبيت واستعادة قيمة الجنيه السوداني، والوصفة سهلة معلومة لدى للكافة وميسورة ولكنها تحتاج إلى إرادة صادقة حازمة غير خاضعة للأهواء والمساومات من أصحاب المصالح الخاصة الغائبة عن الوعي، وإلى إدارة علمية واعية صامدة وليس أكثر من ذلك.

إعادة هيكلة الهيئات والمؤسسات والشركات الحكومية:

برزت أحاديث كثيفة حول ضرورة إعادة النظر فى هيكلة المؤسسات والهيئات والمؤسسات الحكومية، وهذا أمر حسن فى مظهره ومخبره، وهو من الضرورات خاصة فى الظروف الراهنة، و التى تعانى من عقابيل سياسات سابقة نتجت عن سياسات تفكيكية للدولة السودانية، نتيجة لما تعارف عليه بسياسة المحاصصات، وذلك لاستيعاب المعارضين من حملة السلاح وغيره، وكان المنطق إنشاء وزارة أفضل و أقل كلفة  من إزهاق نفس واحدة  فى الصراع السياسى وهذا منطق، و لكن كان هنالك فى التناسب مندوحة عن ذلك، بالمشاركة بنسب فى الحكومات الائتلافية أو فى داخل  أجنحة الحزب الواحد بين يمينه ووسطه ويساره كما هو موجود فى الحكومات البريطانية والإيطالية والهولندية والألمانية المتعاقبة. ولم يتم اللجوء للسياسات التفكيكية للدولة لتوليد الوزارات من الوزارات و توليد المفوضيات من الإدارات والهيئات والمؤسسات والشركات من الهيئات والمؤسسات والشركات.كل ذلك نتج عنه ضعف التركيز والتنسيق وإهدار الموارد فى الامتيازات والمباني والأثاثات والماموريات وورش العمل المزعومة وما إليها. فقد كانت الوزارات عند الاستقلال أربع عشرة وزارة، ولكن تم تعيين قريباً من ذلك العدد سكرتيرين برلمانيين أو وزراء دولة…واستمر هذا النهج إلى يوم الناس هذا وكان البرلمان الأول من تسعة وتسعين نائباً ثلثهم من الجنوب، وكان الأحرى أن يتم تقليص العدد الثلاثيني أي إلى ستين نائباً وهو عدد يكفى و يزيد. فعدد أعضاء مجلس مدينة لوس انجلوس باقتصادها الذين يفوق حجمه اقتصاد السودان…وعدد سكانها أكثر من عشرين مليونًا…عدد أعضاء مجلس المدينة هم فقط أربعة عشر نائباً و لهم كلهم مكاتب فى البلدية و يعملون بدوام كامل.لم يفكر أحد قط فى زيادة الوزارات البريطانية أو الفرنسية او الألمانية، ولا فى زيادة عدد البلديات أو الولايات.عند إضافة وزارة الأمن الداخلي للحكومة الاتحادية الأمريكية بعد هجمات الحادى عشر من شهر سبتمبر، كان قد مضى على إضافة الوزارة الرابعة عشرة نصف قرن تقريباً. المشكلة هنا أن الوزارات يتم إنشاؤها بقرار تنفيذى وليس بتشريع. كثير من المهام يمكن إعادة دمجها و ليس بالضرورة إلغاؤها أو خصخصتها، كما ينادى البعض الذين يتربصون لافتراس مؤسسات الشعب وممتلكاته، و التى تؤدى إلى إضعاف الدولة فى ظل المطالبات بمزيد من الخدمات للمواطنين مثل الصحة و العلاج والتعليم والتدريب وبناء رأس المال البشري…والذى هو بناء الدولة الحديثة…وخدمات المياه  و الحفاظ على البيئة والأمن الغذائى وسائر أهداف التنمية المستدامة.

إعادة الهيكلة والحوكمة

إذا لم تشمل إعادة الهيكلة تطبيق مبادئ الحوكمة والحكم الراشد فى أجهزة الدولة أفقياً ورأسياً ووظيفياً، فلن نحقق النتائج المطلوبة الوصول إليها، وعليه لا بد من اعتماد منهجية الإدارة للنتائج والتقييم بالنتائج وأنظمة قياس استدامة الأثر.

وسنقترح ما يمكن أن يعين على ذلك، وكنت قد اقترحت فى عام ١٩٧٤ وعام ٢٠٠٥ حكومة من خمس عشرة وزارة فقط بنسب تناسب الموارد، وليس بنسب سياسية.

إغلاق