قضايا ومدارات -د. عثمان البدري-مقترحات لحلول غير عبقرية للوضع الاقتصادي (١-٢)

Osmanalbadri@gmail.com

الجنيه السوداني هل يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به وكيف يتم ذلك؟

 

 

 

موازنة العام ٢٠١٨ وموازنة العام ٢٠١٩ لجمهورية السودان، والتي أجازتهما الهيئة التشريعية والحكومة بكل مكوناتها قبل حلها، حتى ولو اختلفت تقديرات أو آراء البعض، فقد أصبحت هي موازنة الحكومة المعتمدة، والمعروف أن الحكومة جسم واحد مُتّحد يعمل بمبدأ المسؤولية التضامنية في الجهاز التنفيذي حتى ولو تعددت الآراء قبل اتخاذ القرار. فالأصل الغالب في عمل الأجهزة التنفيذية سرية المداولات وعلنية القرارات. والأصل الغالب في عمل الأجهزة التشريعية علنية المداولات علنية القرارات. العمل في الأجهزة التنفيذية وأعلاها الحكومة هو حرية التداول الداخلي مع الالتزام بالقرار الصادر حين إعلانه. والذي لا يجد أنه لا يمكنه الالتزام بالقرار الصادر عن مجلس الوزراء القومي أن يتخلى عن مقعده قبل أو عند صدور القرار المحوري إن كان لا يتفق معه جذرياً أو مبدئياً، وهو أمر تقريباً يتكرّر فى كل موازنة لجمهورية السودان المستقلة، منذ الموازنة الأولى التي قدمها الوزير المرحوم حماد توفيق… والذي دخل مجلس النواب عن دائرة الحصاحيصا الشرقية نائباً عن الحزب الوطني الاتحادي، والتي كان بها فائض أربعة عشر مليوناً من الجنيهات، والتي تعادل حينها.. حين كان الجنيه السوداني يعادل جرامين ونصف الجرام وأربع كسرات من الذهب الخالص، أي بفائض دولاري يساوي سبعة وأربعين مليون دولار في العام ١٩٥٦، وذلك حين كانت أوقية الذهب تساوي اثنين وثلاثين دولاراً أمريكياً حين سيادة قاعدة الذهب بعد اتفاقية “بريتوودز” قبل إلغائها بواسطة الرئيسين الأمريكيين نيكسون وجونسون في العام ١٩٧٣-١٩٧٤.

وتلك كانت تساوي مليوناً ومائة ثمانية وأربعين ألف أوقية من الذهب الخالص والذي يساوي بسعر اليوم حيث سعر الأوقية ألف وثلاثمائة دولار فقط لا غير. فماذا كانت تساوي بسعر الذهب اليوم لو تم تراكم شراء الذهب والاحتفاظ به كأقوى احتياطي للعملة الوطنية، كما تفعل الدول الواعية التي تنتج ذهباً ولا تبيع ذهباً فأكبر الدول المنتجة للذهب اليوم الصين وتنتج ثلاثمائة خمسة وسبعين طناً في العام وهي في نفس الوقت أكبر مشترٍ للذهب.  فالموازنة ليست موازنة وزير أو وزارة المالية… المنوط بها تطوير وإدارة السياسات المالية… أو البنك المركزي… المنوط به تطوير وإدارة السياسة النقدية، وأهم مراميها الحفاظ على قيمة العملة الوطنية… أو وزارة التجارة والمنوط بها تطوير وإدارة وتوجيه النشاط التجاري والأسعار وضبط تداول السلع… وكذلك سائر مكونات المنظومة التنفيذية. وإذا حدث رفض واسع لتلك الموازنة فلا يجب أن تتحمل وزارة واحدة كل المسؤولية، إلا إذا تم رفض ما قدمته الوزارة أو الوزير المعني إلى الجهاز التنفيذي في هذه الحالة، المسؤولية على الوزير المعني، فإما أن يعفى أو يستقيل أو يقبل القرار. أما إذا تمت إجازة الخطة أو الموازنة العامة فتبقى المسؤولية تضامنية تشمل الجميع بقاء أو استقالة أو إعفاء.

الأمر الهام الأخر لاستعادة الجنيه السوداني قوته التي تآكلت بفعل فاعلين، منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، فلا بد من إيقاف هدر موارد العباد والبلاد باتخاذ السياسة التجارية الصحيحة بقياس صادر الخامات وهي في الحقيقة ليست خامات بل هي موارد يًعاد تشكيلها وتصنيعها وتعاد إلينا منتجات مصنعة ندفع لاستيرادها ما لا يقل عن عشرة أضعاف الثمن الذي تم تصديرها به. وهذا قمة الضياع ونقص القادرين على التمام، وأكثر. وقد اتخذ رئيس الوزراء القومي الأسبق الفريق أول ركن بكري حسن صالح في لقاء مشهود القرار الصائب بإيقاف صادر الحيوانات الحية، ولكن أجهضته المصالح الخاصة قصيرة النظر لمصلحة الآخر الخارجي. واتخذ رئيس مجلس الوزراء القومي السابق الأستاذ معتز موسى نفس القرارات الصائبة بالتركيز على الصادر المصنّع وموازينه وآلياته موجودة وفائضة وفائض طاقة عصر الحبوب الزيتية التي تفوق المليون طن جاهزة، والجميع يعلمها، مع العلم أن استهلاك البلاد من زيوت الطعام حوالي مائتين وأربعين ألف طن، ويتم مع ذلك استيراد سبعين إلى ثمانين ألف طن، ومصر تستهلك مليون طن من زيوت الطعام وتنتج خمسين ألف طن فقط. ونحن معها أعضاء في منظمة الكوميسا الكارثية فلماذا لا نصدر لها زيوت الطعام واللحوم  ومنتجات الألبان عوضاً عن بؤس الفكر والممارسة الوطنية التي نكتفي بصادر الخامات متعللة بلا علة وتجد قبولاً عند صناع القرار أم إنهم هم صناع القرار!!!!!

أذا استمر الحال على ما هو عليه، فسيستمر تآكل القوة الشرائية للجنيه السوداني وهو قطعاً اليوم لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به.

ولم أر في الناس عيباً كنقص القادرين.

ونواصل بقية المقترحات غير العبقرية بإذن الله..

إغلاق