قرأت.. رأيت.. سمعت

إدريس جماع ذلك المتصوف شعرًا
الكوارع وألسنة الأبقار على قارعة الطريق
جدل فقهي لم ينته

قرأت
قرأت ما كان توهجًا ومض في النفس ورغم قراءتي لها هذه القصيدة أيام الدراسة بالمرحلة المتوسطة إلا أن إعادة قراءتها بعد ثلاثة وثلاثين عامًا كان له طعم خاص للغاية..
فحين قراءة أي طالب لأي مكتوب أو مادة أكاديمية أيام الدراسة بأي من مراحل التعليم، تكون القراءة بغرض التحصيل الأكاديمي ليس إلا..
أما حين يمر الزمان وتتكاثر المعرفة يكون الشخص قد علم ما بين السطور أو حتى التفسيرات الحديثة وفق واقع الحال قد وصلت مرحلة متقدمة من الفهم والإدراك..
ما سبق هو ما حدث لشخصي حين قراءتي لقصيدة الشاعر الفذ إدريس محمد جماع والتي بعنوان (الفجر المرتقب) والتي يقول فيها الشاعر:
أمة للمجد والمجد لها
وثبت تنشد مستقبلها
روى نفسي من حديث خالد
كلما غنت به أثملها
من هوى السودان من آماله
من كفاح ناره أشعلها
أيها الحادي انطلق واصعد بنا
وتخير في الذرى أطولها
نحن قوم ليس يرضى همهم
أن ينالوا في العلا أسهلها
وقريباً يسفر الأفق لنا
عن أمان لم نعش إلا لها
لكأني بالعذارى نهضت
وبناء الجيل أمسى شغلها
بهوى السودان غنت لحنها
وأدارت باسمه مغزلها
نهضة قادت فتاة حرة
وفتًى كان يحمل مشعلها
على الفور تذكرت كيفية إلقاء معلم اللغة العربية للقصيدة داخل الفصل وكله حماسة وبريق أعين ممزوج ذلك بالتغني للوطن أمجاده وتضحيات الأجداد واستشراف واقع مستقبلي أفضل..
رأيت
رأيت فيما يرى المندهش أكوام من إمعاء الخراف والأبقار ومخلفات اللحوم غير الرئيسة والمعني الكوارع وألسنة الأبقار وأدمغتها.. وذلك في سوق الملجة بالسوق الشعبي بأم درمان..
كنت قد سمعت كثيرًا بهذه الأسواق التي تخصصت في بيع ما سبق ذكره. وكان الأمر مخيفًا للغاية اذ كان أغلب ما سمعته هو ذبيح الحيوانات النافقة وبيع لحومها للجمهور..
ما شاهدته كان يختلف تمامًا عن كل ما سمعته بل تضاعفت دهشتي حين وجدت صديقًا قديمًا منذ أيام الصبا الباكر يتسوق داخل هذا السوق وهو للعلم أستاذ جامعي مرموق..
علمت بأن المبيع داخل السوق يأتي من السلخانة مباشرة وهو جيد النوعية بل وينافس الموجود داخل الأسواق الكبرى وكذلك المحال التجارية الحديثة “المولات”.
بقى أن يعلم القاريء أن السوق يعمل منذ الصباح وحتى بعد أذان العشاء. بقليل من مجهودات السلطات المختصة يمكن تنظيم هذا السوق بالسبل الكفيلة لجعله سوقًا محترمًا ينافس الأسواق الكبرى بل ويصبح قبلة لطالبي ألسنة الأبقار والكوارع..
للعلم فقط وليس لتخويف القراء، الإكثار من تناول ألسنة الأبقار والكوارع يعجل بالإصابة بمرض النقرس (القاوت) بل ويصيب الشرايين بالتصلب..
سمعت
سمعت حوارًا بين صديقين أحدهما تزوج منذ خروجنا نحو الجامعات في أعقاب الثانوي حين كان طالب الثانوي أيامها في مقام حامل الماجستير في هذه الأيام..
الطرف الثاني من الحوار أحد مثقفي السودان الذين ضاعوا وسط فوضى الثقافة السودانية التي لن تنتهي. تركز الحديث حول عزم صديقنا المتزوج على وهب منزله لابن بنته التي أنجبت ابنًا وهو الآن في العاشرة من عمره بجانب إخوانه وأخواته الصغار.
وفي جدال فقهي احتدم النقاش ما بين رؤية الشرع في الأمر حيث أن المنزل ملك لوالد الطفل ولديه أبناء أخرون لم تتجاوز أعمارهم السبع أو الأربع سنوات.
أصر صديقي المتزوج على موافقة الشرع فيما يعتزم تنفيذه بينما كان الطرف الآخر مقتنعًا بأن ما سيقوم به صديقه ضد تعاليم الشرع إذ سيكون الإخوة والأخوات الآخرون في ضرر بليغ جراء ما سيقوم به.
حيث احتدم النقاش. بادر صاحب الفكرة بوهب منزله لابن بنته بالقول سأبيعه له بمكاتبة بواسطة محامي وأردف بالقول “أها في مانع في الحتة دي؟”..
صمت المدافع عن حقوق الصغار برهة وقال: يعتبر هذا تدليسًا في تسمية القانون وحينها ستسقط الهبة ويعود المنزل لصاحبه..
كنت صامتاً فأمور الفقه لست عليمًا بها ولكن زادت ثقافتي الفقهية مقداًرً ضئيلاً..
ما رأي الفقهاء فيما ذهب إليه الصديقان؟..

مقالات ذات صلة

إغلاق