قرأت.. رأيت.. سمعت الاحتراق حباً عند ابن زيدون

السماء في صفائها.. وذكريات الصبا

سيد أحمد ابراهيم وأمير النور.. حوارات جمالية

قرأت تلك التي صنفت بأطول قصائد الحب والغرام في تاريخ الشعر العربي وهي قصة حب الشاعر الاندلسي ابن زيدون لمحبوبته ولادة بت المستكفي.. كان جمالاً شعرياً واختراقاً للغة العربية في استنباط مفردات عميقة الشكل والمضمون ومن ذلك:

ان الزمان الذي ما زال يضحكنا

أنساً بقربكم قد عاد يبيكنا

وقد نكون وما يخشى تفرقنا

فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا

وهي القصيدة المعروفة لدى دارسي الشعر العربي باسم النونية والتي تنتهي بحرف النون وهي كذلك أشهر قصيدة في تاريخ الشعر العربي نهايتها حرف النون.

فقصة حب ابن زيدون لولادة بت المستكفي كانت شبيهة بل واحدة من قصص الحب المشهورة في تاريخ الصبابة والغرام مثلها مثل قصة جميل بن معمر وبثينة الاخيلية أو قصة روميو وجوليت في واحدة من انفراطات نفسه الملتاعة حباً نجده يئن ويصرخ بل يكاد ينفجر من تلك الحالة التي تلبسته وهي حالة الحب في صراحته واعلانه على الملأ الأعظم وهو المقطع الذي يقول فيه:

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا

يقضى عليها الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت سوداً

وكانت بكم بيضاً ليالينا

لا تحسبوا نأيكم عنا بغيرنا

انه طالما غير لنأى المحبينا

حقاً انه الاحتراق حباً وهي تلك الحالة التي تعرف بالحياة في رحاب الموت حباً أي عدم احساس المحب بأي شيء حوله سوى المحبوبة. وخير مثال لذلك قوله:

أولى وفاء وان لم تبذلي صلة

فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا

عليك مني سلام الله ما بقيت

صبابة منك تخفيها فتخفينا

القمر في ليلته الرابعة عشر:

شاهدت قمراً منيراً بالصورة التي جعلتني في هدأة نفس وصفاء روح دعوني أتحدث بلغة الجمع فجميعنا ان لم يكن هناك قليل منا يسترق لحظات من مسائه للاستمتاع بليلة اكتمال القمر في ليلته الرابع عشر من الشهر العربي.

في تلك الليلة تأكدت تمام التأكد ان الحياة بصورتها المعطاءة من تفاصيل الطبيعة ماهي إلا قطعة من جمال وبهاء. فالاضاءة هي بمقدار ما يراه الشخص لمسافة مائتي متر أو اكثر، أما تصورات المرء حين تلك اللحظات فهي تتفاوت من خيال جامح الى تصورات هي من وحي أيام ماضيات.

أصحاب الخيال الجامح سريعاً ما تأتيهم أحداث كانت في عداد النسيان. مثل شخصية غابت سنوات طويلة من الذاكرة أو حسناء كانت في الفؤاد مقيمة أو حتى مرارات سياسية لأصحاب الشأن السياسي لحالة الأيام الزاهية وهو ما كان اشتراكاً لكل السودانيين في حياتهم، فهي حالة من الحالات التي تتلبس الشخص حين تلك الهدأة.

في تلك اللحظات يسعد البعض ويبكي البعض لحالته الخاصة، بل ويكون البعض الآخر في صمت تأملي لحالة الصفاء والسكينة التي يمر بها. الذين يبكون هم أصحاب مشقة في النفس وكدر حياة بائنة. وبكاؤهم في هذه اللحظات مرده لتلك التقلبات الفجائية للنفس في تضادها ما بين الكدر المعيشي وضنك النفس مقابل الجمال الذي يعيشون فيه لحظتها.

عموماً يظل القمر في ليلة اكتماله من بدائع الإله التي تتوجب النظر اليها بكل تمعن وفكر.

سمعت حلقات اذاعية هامت بها متانة السبك والاعداد ما جعلها تتابع على مدار الاسبوع وهي حلقات من برنامج “عازف الأوتار” الاذاعي الذي يعده ويقدمه الاذاعي المعتق سيد احمد ابراهيم ويعاونه في الحديث والافادات من داخل الاستديو الدكتور القامة والمتخصص في الغناء السوداني أمير النور.

مبعث اهتمام المستمعين بهذه الحلقات واحساسهم بجمالها ينبع من الحديث المنساب بسلاسة من الباحث امير النور حول الشخصية الغنائية.

ما أعنيه هو الحلقات التي بثت خلال الاسبوعين الماضيين وهي مخصصة للفنان محمد وردي. حيث ترك معد ومقدم الحلقات الاستاذ سيد احمد ابراهيم الحديث للدكتور امير النور حيث جعل الدكتور امير الحديث مؤانسة ما بين الحديث حول حياة الفنان محمد وردي واغنياته مع تعليق الأستاذ سيد احمد ابراهيم على جزئيات صغيرة للغاية مثل فترة عمل الاستاذ محمد وردي كمعلم او اولى اغنياته التي ظهر بها كفنان بالاذعة السودانية.

أجمل ما في هذه الحلقات هو التسلسل الغنائي الخاص باغنيات الفنان محمد وردي، حيث نجح الاثنان سيد احمد وامير النور في جعل الخوار وكأنه بانوراما منضبطة للغاية تتبعاً لحياة الفنان محمد وردي منذ دراسته بعبري بشمال السودان وحتى بقائه بحي السجانة برفقة الموسيقار علي ميرغني وغنائه بالاذاعة السودانية.

الملاحظة الاكثر بروزاً في هذه الحلقات هي الأغنيات التي تغنى بها الفنان محمد وردي، هي الأغنيات الأوائل المسجلة له بالاذاعة، وفي هذا فقد كان لوردي أكثر من تسجيل لعدد كبير من اغنياته.

من جماليات هذه الحلقات هو ما كان صمتاً لسيد احمد ابراهيم وسرداً لامير النور مع التركيز على الشعراء الذين تغنى لهم وردي، كان كذلك السرد الممتع لأمير النور في جزئيتين مهمتين وهما معاناة محمد وردي في الظهور كفنان في العام 1956م مع ذكر قصة لقائه بابراهيم عوض في شندي في ابريل 1956م ، زائداً اول لقاء له بالشاعر اسماعيل حسن والملحن خليل احمد.. وقصة غناء أول اغنية “ياطير ياطائر” التي ظهر بها فنان في الاذاعة السودانية..

شكراً أبوالسيد وأمير النور..

مقالات ذات صلة

إغلاق