عضو قيادات المجتمع الدارفوري محمد إبراهيم عزت لـ(الصيحة) (2-2)

حوار: النذير دفع الله ـ تصوير محمد نور محكر

خلفت الحرب في دارفور منذ اندلاعها وضعاً اجتماعياً معقداً أدى إلى خلق حالة من التفكك في النسيج الاجتماعى في دارفور، وهو نسيج عرف عنه مكارم الأخلاق والشهامة والمروءة .. وفي ظل التدافع بين الحركات المسلحة والحكومة ظل المجتمع الدارفوري خارج تلك المعادلة لفترة ليست بالقصيرة غير أنه بدأ استعادة منظومته الاجتماعية والعرفية من خلال تكوين جسم قيادات للمجتمع المدني بدارفور. عضو قيادات المجتمع الدارفوري محمد إبراهيم عزت، يلقي الضوء على كل تلك التداعيات، وذلك من خلال الجزء الثاني والأخير  من الحوار.

*كيف كانت طبيعة المجتمع الدارفوري قبل قيام الحركات المسلحة؟

هنالك الكثير من الإشكالات القبلية التي كانت قائمة في دارفور والتي سببها ضيق الموارد، خاصة وأن دارفور كانت مهمشة طيلة التاريخ، وكانت خدمات المياه غير متوفرة مما أدى لصراع شبه دائم بين الرعاة والمزارعين، هذا الصراع بين  الطرفين تحول إلى صراع إثني وقبلي والأمر الآخر هو عدم وجود نقاء عرقي في دارفور فرغم أن الرعاة ينسبون للقبائل العربية، والمزارعون للقبائل غير العربية، هو ما شكل الخلاف بلون جائر بحسابات المنطق أدت لصراعات قبلية كثيرة ومعقدة هي التي فتكت بدارفور أكثر من الحرب ذاتها سيما وأن الصراع كان داخل المجتمع نفسه انتقل بعده لصراع قبلي وإثني  بين كل المجتمع بلا استثناء ولو رجعنا للوراء قليلاً وتمت مراجعة تلك الفترة سيجد الناس الدمار الاجتماعي الذي مورس على دارفور.

*هل الحركات ساعدت في توسيع الخلاف وتهويله أم سخرته لأغراضها؟

الحركات المسلحة لم تنتظر، ولم تعمل على خلق عملية سلام بين المجموعات بل مجيئها وقيامها كان لمساعدة طرف على الآخرين، فمالت لصالح المزارعين دون الرعاة، وهو ما أعطى المزارعين قوة بأن الحركات المسلحة جاءت لنصرتهم وأنها تتبع لمعين محدد، فمورست سلوكيات سيئة ضد الرعاة بينما لجأ الطرف الآخر من الرعاة والذين يمثل 70% منهم من القبائل العربية لجأت للحكومة من أجل حماية نفسها ومصالحها  فتم تسليحهم لمواجهة الحركات المسلحة، وكان الوضع والمشهد كاملاً “دارفوري دارفوري”، بينما الحركات كانت تظن أنها جاءت لتحرير دارفور، فأصبح مسماها يشير لتقاطعات شديدة القبلية وهو ما أعطى الصراع عنفاً كبيراً من نوع آخر.

*هل كل الحركات كانت تقاتل من أجل إزاحة القبائل العربية أم لأهداف أخرى؟

حقيقة فطنت حركة العدل المساواة بقيادة خليل إبراهيم لهذه المسألة فانتقلت بالصراع وحركتها للقومية بتغيير مسماها  لحركة العدل والمساواة السودانية، وهو ما دفع بقية الحركات أن تحذو حذو العدل والمساواة في توسيع مفهوم الحركات وانضمت بعدها لحركة الهامش بعد فوات الأوان، بعد الانقسام الدارفوري الدارفوري، ووسعت بذلك مساحة الخلاف والتباعد  في دارفور واتخذته الحركات مصدر قوة لتثبت للمركز مكانتها.

*ما هي ردة فعل المجتمع الدارفوري وقتها؟

المجتمع الدارفوري به وعي كبير فعمل على تضييق الهوة والانشقاق بين مكوناته، مما جعل الحركات من خلال صراعها مع الحكومة أن تمور دارفور بالدماء، وظل المركز في راحة تامة مع بقية مدن السودان فأصبحت دارفور (الكاف والمكفوف)، وهو ما جعل من مشاكل دارفور مانعاً كبيراً أن تصل للمركز بوضع متاريس وعراقيل أمامها لذلك، حتى كانت  عملية الذراع الطويل التي قامت بها العدل والمساواة بقيادة خليل وهي العملية الانتحارية التي عرفها الكل، فانتبهوا بعدها لدارفور وما يجري فيها، ولكن خليل كان يريد إرسال رسالة محددة للمركز وقد كان، سيما وأن النظام في الخرطوم صفوي، وعبارة عن شبكة صغيرة لا تمثل السودان، ولا تمثل الأقاليم ولا تمثل الجهة المنسوبة لها من النخب النيلية وأبناء البحر،  فهم براء مما قامت به الحكومة المخلوعة التي تحسب على قلة  حطمت السودان، وأصبحت الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني تئن حالياً بما قامت به فئة محددة لارتكابها أخطاء كبيرة سافرة ومخجلة.

 وللأسف ما أحزنني كثيرًا زمرة من الإخوان كنا نظنهم من الصالحين، ولكن اكتشفنا بأنهم لم يكونوا إلا عصبة من اللصوص والسارقين. المجتمع الدارفوري قام بترميم ما خلّفته الحروب بين القبائل الدرافورية، لأنها من أسر متداخلة ودين واحد ومنع أبناء دارفور في الحركات من التمادي والاستمرار فيها، فكانت محاولة الوالي الأسبق كبر أن يمنح الفريق إبراهيم سليمان ومعه مجموعة لقيادة مبادرة اجتماعية مع الحركات المسلحة في أبوجا لتقريب وجهات النظر.

*ماذا حدث في أبوجا بينكم والحركات المسلحة باعتباركم من القبائل العربية؟

الحركات المسلحة رفضت مقابلة الوفد الذي سبقنا وحدثت احتجاجات شديدة ضد الوالي (كبر) بأنه قام بإرسال إثنيات محددة للتفاوض في أبوجا متجاوزاً القبائل العربية في دارفور،  فتم منحنا فرصة لثلاثة أشخاص، وكنت أحد الثلاثة، ولكن تفاجأنا بأن الحركات المسلحة أصدرت بياناً بعد وصولنا أبوجا  واتهمتنا بأننا من الجنجويد والقراصنة، وكنا في فندق (اسبرنق) وطلبوا مغادرتنا، وإلا فإنهم لن يستمروا في التفاوض، وهو الأمر الذي دعاني لاقتحام غرفة عبد الواحد محمد نور، وكانت تقام له حراسة مشددة، ومن ضمن طاقمه علي مجوك فاقتحمت غرفته ومعي محمد صالح الأمين بركة، فاندهش لدخولنا وتحسس موضع (مسدسه)، ولكن تعاملنا مع الأمر بحكمة وأخبرناه أننا من مكونات دارفور الأهلية، ولدينا رسالة فقط نريد إيصالها له مفادها (بأنكم في حركة التحرير والعدالة تقومون بقطع الطرق أمام المسافرين وتذبحون أبناءنا الطلاب على طريق زالنجي وتصلبون المنتمين للقبائل العربية وهم مواطنون فقط)، ولكننا جئنا لنخبركم بأننا لا رغبة لنا في أي نزاع أو صراع قبلي بين مكونات المجتمع الدارفوري كاملاً،  فكان رده كالآتي (انتو العرب بتدقوني على خد والزغاوة على الخد الآخر) ونصبوا ابنهم مناوي في مؤتمر (حسكنيتة) واعتبر مؤتمر حسكنيتة خيانة وأصبحت أنا في مأزق.

*ما هو سر الوثيقة التي تسببت في طردكم من أبوجا من جانب السفارة السودانية؟

بعد نقاشنا مع عبد الواحد اقترح لنا أن نكتب وثيقة عهد بيننا مفادها عدم التعرض لأي مواطن مهما كان في كل مناطق حركته، تمت كتابة الوثيقة بحضور محمد عيسى عليوة وإبراهيم مادبو، ولكن تسربت الوثيقة قبل التوقيع النهائي فاتصل بي خليل إبراهيم من تشاد وطلب مني البقاء ورغبته في التوقيع على الوثيقة، وأيضا جاءني الجمالي، وكذلك مجموعة أركو مناوي طلبت التوقيع والانضمام للوثيقة، فكان مجهوداً كبيراً قمنا به، وهو الهدف الأساسي الذي كنا نسعى له ونتمناه في دارفور، وهنا التزم عبد الواحد بأنه سيوقع اتفاق سلام في القريب العاجل، ولكن للأسف تم استدعاؤنا من جانب السفارة السودانية لوجبة عشاء، ومن ثم تم إخطاري بأنني غير مرغوب في تواجدي، وكان السفير بالإنابة وقتها كمال إسماعيل وأعطوني تذكرة الطيران ومعها (200 دولار)، وكانت المفاوضات وقتها بقيادة الراحل مجذوب الخليفة وعبد الله صافي النور.

*لماذا تم من طردك من مفاوضات أبوجا والتعجيل بسفرك؟

تأكد لنا تماماً أن هناك شقاقاً كبيراً مفروضاً كان يُمارس على أبناء دارفور، ألا نصل لاتفاق فيما بيننا، لأننا إذا توصلنا لاتفاق، فإن كل العملية تكون قد انتهت فعُدتُ لدارفور، بعدها اتصل بي عبد الواحد ومن خلال لقاء حاشد للإدارات الأهلية أخطرت كل القبائل العربية في دارفور بما حدث فرجعوا لمناطقهم وأوقفوا القتال البيني، فاتصل بي عبد الواحد  وقال لي إنه قد أبلغ كل قياداته في الأرض بعدم التعرض لأي مواطن، وللتاريخ بعد ثلاثة أيام طلب مني عبد الواحد فتح الهاتف فاتصلت بي كل قيادات التمرد من كل الاتجاهات من شمال جبل مرة اتصل بي (طرادة) ومن جنوب زالنجي (ضرسو)، ومن كل المناطق أخبروني بأن لديهم تعليمات من القائد عبد الواحد بعدم التعرض لأي مواطن، ووقف القتال مع القبائل العربية، ومن تلك الحظة كان العد التنازلي في توقف القتال الحاد بين الإثنيات، وبعدها تحرك المجتمع المدني وبعدها ذهبنا لطرابلس مرة أخرى وأصدر خليل قرارا بأن كل الإدارة الأهلية في دارفور لديها حصانات من عدم التعرض لهم بأي طريقة من حركة العدل والمساواة، ولكن يد الحكومة لم تتركنا نمضي في هذا الملف، فكان عمر نمر هو المسؤول من مجموعتنا فطلب منا أيضاً العودة للسودان، لأننا ذهبنا في مشاورات بعيدة بيننا والحركات المسلحة، وهو ما توجست منه الحكومة.

*ما هو وضعكم كقيادة مجتمع دارفوري الآن في ظل الظروف الحالية ؟

نحن قادرون لحل الإشكالية القبلية في دارفور والوصول لسلام، سيما وأن المجتمع الدارفوري واعٍ جداً وأصدرنا وثيقة كاملة في الدوحة اعتبرت واعتمدت كواحدة من أدوات الحل الشامل لقضية دارفور، ولكن للحقيقة والتاريخ أن الشخص الذي (ركن) مجتمع دارفور وأهمل ملفه هو أمين حسن عمر الذي استهتر بالمجتمع الدارفوري أيما استهتار ولم يعره أي اهتمام، وللاسف مجذوب الخليفة أيضاً اشتغل (كومبارس) بمجتمع وقضية دارفور والشخصية التي أعطت دارفور اهتماماً وحراكاً هو غازي صلاح الدين، الذي عمل جيداً، ولكن أمين حسن عمر بعد توليه الملف أصبح ينظر إلينا من علٍ وبنظرة غير مريحة، ولكن المجتمع الدارفوري استمر في قضيته حتى اللحظة، وسنصل بالقضية الدارفورية إلى نهايتها، وتحقيق سلام شامل، وستعود لدارفور سيرتها الأولى زاهية باهية نامية، تشق عنان السماء وتساهم في تنمية السودان.

مقالات ذات صلة

إغلاق