عصام الترابي في حوار الأسرار والذكريات لـ(الصيحة) 1-2:

بعد ثلاثة أعوام  من رحيله لا زلنا نشعر بغياب (شيخ حسن)

كلما مررتُ بقبر أو صورة والدي أستشعر نصحه وحكمته

لهذا (…) ظلَّ شيخ حسن حريصاً على إبعاد أبنائه عن السياسة

إيذاء (شيخ حسن) من قبل البعض لا زال يثير بداخلي غضب الابن

الاعتداء على (أبي) بالضرب  في كندا موقف يصعب تجاوزه

سأظل محتفظاً بأسرار (شيخ حسن) عن هؤلاء (….) إلى أن ألقى الله

حوار: عوضية سليمان

 تصوير: محمد نور محكر

صباح  الخميس الماضي، وبدار شيخ حسن بالمنشية، تأخر الوقت نصف ساعة عن موعد قطعه  نجل شيخ حسن الترابي القيادي بالمؤتمر الشعبي عصام الترابي.. وقتها دخل علينا من بوابة داخلية  من الصالون الرئيس مسرعاً يحمل صينية بداخلها مراسم قهوة الصباح، مقدماً لنا اعتذاره عن التأخير، ثم ما لبث أن بدأ يُبرر لنا دواعي التأخير، ه يقوم بصب  القهوة  على الطريقة (البدوية)، بعيدًا جدًا عن الطريقة الخرطومية.

فقد كانت قهوة  معدة في آنية فخارية محمية بقطعة مشغولة من الخزف الأحمر يطلق عليها (الحشمة) تحيط بها علبة صغيرة بنفس اللون الاحمر بداخلها  مخبوزات وفنجان بنفس اللون وكباية واحدة بداخلها (نسكافيه)… ملامح المكان والزمان تشعرك بأن عراب الإسلاميين  لا زال موجوداً بداره.. فالطقوس التي مارسها (عصام) أمامنا وهو يصب (القهوة) هي ذات طقوس أبيه، بدا لنا وكأننا في حضرة الشيخ الكبير(رحمه الله) … بعد القهوة دلفنا مباشرة إلى محاور الحوار… وبدأ (عصام) الإجابة على أسئلتنا ومن خلالها كشف لنا عن وجه آخر له، حيث ظهر لنا عصام السياسي المهتم  بكل تفاصيل الراهن السياسي، بيد أنه يتوارى خلف البادية والدوبيت والشعر … فالرجل يصعب استفزازه وظل يرد على أسئلتنا رغم (سخونتها)  دون حذر منه بالرغم من أنه يحمل روح والده.

 قلّبنا معه كل الملفات منذ المفاصلة والاعتقالات، وجدته يحمل غضباً وسخطاً على الإنقاذ لشعوره بالظلم في وقت تألم فيه والده، ومع ذلك فهو ملم بكل شاردة وواردة عن الحزب الحاكم… يقول إنه ابتعد عن السياسة عن عمد، ومع ذلك فهو سياسي ورياضي وشاعر وتاجر…

فإلى مضابط الحلقة الأولى من  الحوار..

* في هذه الأيام تمر الذكرى الثالثة لرحيل شيخ الترابي… كيف مرّت تلك الأعوام الثلاثة على أسرته وتلاميذه؟

– مما لا شك فيه، أن شيخ حسن رحمه الله، يعتبر رمزية في الفكر والمعرفة، فهو رجل عفيف اليد واللسان، هكذا شيخ حسن بالنسبة لنا وللناس من حولنا، فرحيله كان فقداً كبيراً، وقد كان رجلاً يملأ فراغات كثيرة في السودان وخارجه، وشيخ حسن عُرِف بالحكمة داخل البيت والأسرة و(الحلة) والقبيلة وأي منظومة فقدت الشيخ الترابي، لأنه كان يقودها بحكمته وعقله، وهو بمثابه قدوة لأتباعه، وغياب شيخ حسن غياب رمزية بالنسبة لنا نحن كأسرة ترابية والتيار الإسلامي حتى المخالفين له في الرأي، وغيابه غياب للكل والفقد كبير بعد تطاول الأعوام وجدنا فراغاً كبياًر والإحساس بغيابه يزداد ويزداد.

*غياب (شيخ حسن) على الصعيد الشخصي، وبصفتك من المقربين إليه  من أبنائه؟

– كنت وقتها ألجأ إليه  في كل المواقف لأغرف منه، وأعطي الغير حتى على مستوى المعرفة بالحلال والحرام،  بجانب النهل من معينه الفكري.. الآن أشعر بأن رأسي  قد قطع في غيابه، وكذلك الحال لكل تلاميذه وأسرته والآن بعد ثلاثة أعوام كلما مرت بقبره أو صورته أستشعر نصحه وحكمته.

* في اعتقادك أي من أبناء الترابي هو الأقرب إليه من حيث التفكير؟

– لا أرى شخصاً قريباً من شخصية شيخ حسن ولا في أبنائه الطبيعيين ولا حتى في تلاميذه، ولكن المعاصرة حجاب، فشيخ حسن  ترك أثراً كبيراً بحكمته  حتى على مستوى الأجانب.. ومع ذلك، هنالك أشخاص مهتمون بفكره وأفكاره إلى الآن  مثل فتح العليم عبد الحي، وأمين حسن عمر، وأبي بكر عبد الرازق، وسليمان حامد، فهولاء فقهوا تماماً ماذا يريد شيخ حسن، وأعجبت بخطاب أمين حسن  في نيجيريا عن رؤى وأفكار الشيخ الترابي، حيث قدم أمين في نجيريا ورقة في فكر الترابي .

*ما الذي أعجبك تحديداً في ورقة أمين؟

– طرحه (المميز) لآراء شيخ حسن.

*  يُقال إن الترابي كان عطفه كبيراً تجاهك دون إخوانك لماذا؟

– كان يتملّكني ذات الإحساس،  فقد كانت مكانتي عنده خاصة جداً جداً.

*في اعتقادك  لماذا كان ذلك؟

– أنا كنت أقرب شخص له، وسافرت معه سفريات خارجية  كثيرة جداً ورافقته  في كل الزيارات والمقابلات للتيارات العربية التي برزت مع الربيع العربي، ففي عام 2012 كنت برفقته  مع وفد  المعارضة السورية، التقينا معهم داخل فندق “جواهر استانبول”، وكانت اجتماعاته طويلة ومرهقة، كانت تمتد أحيانا لعشر ساعات، كنت أنتظره، وشيخ حسن لم تكُن لديه استراحة للأكل أو الراحة، كان يهتم فقط بالعمل.

* خلال مرافقتك له، هل كنتَ مشاركاً في اجتماعاته أم كنتَ  مرافقاً فقط؟

– لم يكُن شيخ حسن يُشركني في تلك الاجتماعات كمجرد مشاهد مرافق مستمع، ولكنه كان  يُعطيني بعض المعلومات في حدود تمليك المعلومة.

*هل كان يأخذ برأيك أم مشورتك؟

– لا..

* لماذا.. أنت تقول إنك كنتَ مرافقاً له؟

– شيخ حسن كان لديه فهم واضح، بأن يُبعدنا عن السياسة، وكان لديه فهم في توارث الكيانات، ويعتبره عيباً من عيوب التنظيمات، لذلك لم نجد منه تشجيعاً على ذلك، وتقبلنا رأيه.

*إذاً أنت تحمل أسراراً  خاصة وكبيرة خلال وجودك مع الوالد أثناء عمله؟

– نعم..

* وما زالت خاصة إلى الآن؟

– نعم… وهي  تخص الدولة والحكومة وأشخاصاً لهم وزنهم الكياني وتخص شيخ حسن في نفسه.

*تحتفظ بها أم تراودك فكرة الإفصاح عنها وقتما تيسّر لك ذلك؟

– نعم، سأظل محتفظاً بها وبشدة إلى أن ألقى الله.

*ذكريات مُرة وأليمة تلازمك الآن كانت في حياة الوالد؟

– نعم، هناك أشخاص قاموا بإيذاء شيخ حسن عبر المواقف أو الأفعال، وكانوا سبباً في إيذائه، وهذا  قطعاً كان له أثر  في دواخلي بصفة الابن، وكثيراً ما يراودني إحساس بأن المطلوب مني دور دفاعي إذا كان لفظياً أو بالأيدي أو هجوم، فهناك نوع من الإيذاء مما تعرض له الوالد، لن أتركه ولن اتخلىّ عن الدفاع عن والدي فيما يتعلق  الهجوم الشخصي..

أما الهجوم الفكري، فهذا طبيعي باعتبار أن شيخ حسن لديه فكر سياسي طرحه وله تنظيم، فلا شك  أن يكون هنالك أشخاص يختلفون معه في الفكر والآراء.

*هجوم شخصي مثل ماذا؟

– مثل الاعتداء عليه بالضرب في كندا… فهذا موقف يصعب تجاوزه ويحز في دواخلي عدم إمكانية الرد عليه، وهذا موقف صعب بالنسبة لي، لذلك أعتبر نفسي أمتلك رخصة للرد عليه بنفس الأسلوب، لابد أن يتأذّى (الفاعلون) بأكثر مما فعلوه.. وأنا هنا أعد ما فعلوه به يأتي في سياق المثل الشعبي (السفيه نبّز الباشا).

* نعود بك إلى ذكريات اعتقالات الوالد (العديدة) والتي حدثت في عهود سياسية مختلفة.. كيف بدأت تلك الاعتقالات؟

– بدأت وأنا غير مدرك كثيراً للحياة وطبيعتها… فقد كنت أبلغ من العمر أربع سنوات حين أدركت ذلك في السنوات الأولى لحكم مايو، حيث بدأت الفجوة  تحدث لى عندما كنت في الأولية، حين يطلب منا استدعاء أولياء الأمور، وكانت حقيقة مؤلمة بالنسبة لي بأني فقدت وجود الأب معنا، وبعدما كبرت كانت هنالك اعتقالات كثيرة للوالد في عهد نميري وقتها شعرت بالظلم تجاه اسرتي، وكان وضعاً لا يوصف.

* ماذا كان دورك تحديداً وشيخ حسن داخل المعتقل؟

– دوري كان إسنادي للأسرة، فشيخ حسن وقتها كان يرفض التدخّل وتحديداً من أقربائه ويرفض فكرة تحريره من المعتقل.

*هل كانت لديك خطوات أو مساعٍ لتحريره من المعتقل؟

– كل مساعيّ التي كنت أنوي القيام بها لإطلاق سراحه قُوبِلت بالرفض من الوالد… فلا يمكن تحرير شخص يرفض مبدأ التحرير من المعتقل.

* هل تركتْ الاعتقالات والسجون أثر حقد أو رغبة في انتقام عصام (الابن)؟

– أبداً، لا يوجد ذلك…   فشيخ حسن عفا عن ذلك في فترة نميري، بل تعاون مع من اعتقلوه وعمل مشروعاً بملامح جديدة للتوجه الإسلامي أيام حكم نميري، فشيخ حسن لم يحمل الروح الانتقامية إلى أن واجه ربه، وهذه الصفة جعلتني لا أفكّر  في الانتقام، أتردّد جدًا كلما راودتني  الفكرة  وشيخ حسن قال  إن (الميال للانتقام ضعيف الإيمان)، ربنا هو المنتقم الجبار وأعتقد بأن الانتقاميين ناس نظرتهم ضيقة، مشدودين إلى الخلف لأنهم مشغولون بالماضي وعليهم أن يتداركوا الحاضر وينظرون إلى المستقبل.

* الوالدة وصال المهدي في مسيرة حياتها مع شيخ حسن تعرضت إلى سجن واعتقال كان بسبب الوالد أم إنها من آل المهدي؟

-السيدة وصال سجنت  في سجن النساء في أم درمان بعد حركة  يوليو 1976م، التي قادتها التيارات السياسية بقيادة حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف الهندي، والتيار الإسلامي وقتها  بزعامة شيخ حسن  ضد حكومة مايو، وقررت قيادة حملة عسكرية على الخرطوم، دخلت القوة، مايو أسمت هذه الحركة بحركة (المرتزقة)، والمرتزق كما هو معروف شخص مأجور على عمل تخريبي، لكن هؤلاء لم يكونوا كذلك، فلا الصادق المهدي ولا الشريف حسين الهندي كانا كذلك، فهم يعتبرون ما حدث كفاحاً عسكرياً لتحقيق أغراض سياسية يهدف لتحرير السودان من جعفر نميري، وبعد ذلك قامت حملة اعتقالات واسعة ضد المشاركين ومناصريهم، وهاجم أمن نميري بيتنا في المنشية  وكنا حينها مستأجرين منزل دفع الله الترابي، وكانت الوالدة تحمل طفلها الرضيع الذي يبلغ من العمر عشرة أشهر دخل عليها العساكر بالبنادق في البيت، واحد من العساكر (عمّر) السلاح، وقال لها اثبتي مكانك وقالت له (أنا أثبت من الجبل) وتم اعتقالها لمدة سنة، واول زيارة أتيحت لنا بعد عام من الاعتقال،  حتى الصغير في الزيارة الأولى لم يعرف أمه، وأنا كنت شبه واعٍ وعمري حوالي عشرة  أعوام  شاهدت ذلك المنظر، حيث ظل الطفل يصرخ ويبكي.

* هل كانت هنالك أسباب أخرى خفية وراء  تلك الاعتقالات دون الأسباب المعروفة؟

–  طبعاً، وللأسف هذه الروح موجودة، وهذه من الأسباب التي دمّرت المجتمعات، هنالك أشخاص لديهم روح الكراهية والانتقام والشماتة، أيام المفاصلة مع شيخ حسن، وحتى في زمن نميري، ظل كثير من الشامتين لا يخفون ذلك ويعدون ذلك  عملاً سياسياً، وأتذكر عندما أذيع خبر اعتقال والدي كانت هناك عربة تسير أمامي عليها شباب كانوا يضحكون ويشيرون إليّ .. كان  الأمر بالنسبة لهم مثل الاحتفال، البعض يعتبر اعتقال الشيخ نعمة، وحدث أن البعض يُظهر الشماتة لنا مما يدل على أن هنالك أشياء سلبية في المجتمع.

مقالات ذات صلة

إغلاق