عصام الترابي في حوار الأسرار والذكريات لـ(الصيحة) 2-2:

والدي كان يرى أن تتِم مُداوَلة السياسة عبر الكفاءة والمقدِرات

ما يدور الآن بين الوطني والشعبي خلافٌ جديد غير (المفاصلة)

هؤلاء (….) قاموا بُمصادرة مُمتلكاتي وحاصروني اقتصادياً

ثورات الربيع العربي أسقَطَت أنظمة عربية عديدة ولكن….!!

نكظُم (غيظنا) ونتجاوَزعن الخال الصادق وأبنائه لئلا تُقطَع الأرحام

(المنظومة الخالِفة) موجودة لكنها غير مُفعَّلة لهذه الأسباب (….)

أزمة السودان ليست في حكومته بل هي أزمة شامِلة

جيل أبناء وتلاميذ (شيخ حسن) لم يصِل لقيادة الشعبي بعد

من أراد إيقاف الفساد عليه تصحيح المسار والأفكار

لهذا  (…) استغربتُ قبول عبد الرحمن الصادق منصب مساعد الرئيس

صباح  الخميس الماضي، وبدار شيخ حسن بالمنشية، تأخّر الوقت نصف ساعة عن موعد قطعَه نجل شيخ حسن الترابي، القيادي بالمؤتمر الشعبي، عصام الترابي.. وقتها دخل علينا من بوابة داخلية من الصالون الرئيس مُسرعاً يحمل صينية عليها مراسم قهوة الصباح، مُقدّما لنا اعتذاره عن التأخير، ثم ما لبِث أن بدأ يُبرّر لنا دواعي التأخير، وهو يقوم بصب  القهوة على الطرقة (البدوية)، بعيداً جداً عن الطريقة الخرطومية. فقد كانت قهوة مُعدَّة على أوانٍ فخارية محميّة بقطعة مشغولة من الخزف الأحمر يُطلق عليها (الحشمة)، تحيط بها علبة صغيرة بنفس اللون الأحمر بداخلها  مخبوزات وفنجان بنفس اللون وكباية واحدة بداخلها (نسكافيه)…

ملامح المكان والزمان تشعرك بأن عراب الإسلاميين  ما زال موجوداً بداره.. فالطقوس التي مارسها (عصام) أمامنا وهو يصب (القهوة) هي ذات طقوس أبيه، وبدا لنا كأننا  في حضرة الشيخ الكبير (رحمه الله)…

بعد القهوة دلفنا مباشرة إلى محاور الحوار… وبدأ (عصام) الإجابات على أسئلتنا، ومن خلالها كشف لنا عن وجه آخر له حيث ظهر لنا عصام السياسي المُهتم  بكل تفاصيل الراهن السياسي، بيد أنه يتوارى خلف البادية والدوبيت والشعر… فالرجل يصعب استفزازه وظل يرد على أسئلتنا رغم (سخونتها)  دون حذِر منه بالرغم من أنه يحمل روح والده، قلّبنا معه كل الملفات منذ المفاصلة والاعتقالات، وجدته يحمل غضباً وسخطاً على الإنقاذ لشعوره بالظلم في وقت تألم فيه والده، ومع ذلك فهو مُلم بكل شاردة وواردة عن الحزب الحاكم…

يقول إنه ابتعد عن السياسة عن عمد، ومع ذلك فهو سياسي ورياضي وشاعر وتاجر…

إلى مضابط الحلقة الثانية من الحوار..

*يُقال إن شيخ حسن كان زاهداً في المشاركة مع الحكومة ولم يتمنّ أن يكون له مقعد فيها؟

 – الوالد كان واضحاً، ليس لديه شيء يُخفيه، فالتداعي للحوار الوطني كان معه، وفي ذات الوقت كان يرفض المشاركة في السلطة، ويدعو إلى التداعي السياسي وتوسيع مواعين الحريات العامة، فهو من افترع ذلك منذ دستور 1998م، وكان يسعى لكل السياسيين حتى الحركات المسلحة، وهذا ما توصل إليه بعد تلخيص كبير لمخرجات ثورات الربيع العربي، وظهور شعار(الشعب يريد إسقاط النظام). وبالفعل سقطت أنظمة عربية عديدة، لكن انتهى الأمر بأزمات هي أكبر بكثير من أزمة الدكتاتورية.

 *بصراحة هل تمنى عصام الترابي مقعداً في الحكومة؟

–  أبداً… أنا ابتعدت عن العمل السياسي حتى من المواقع التنظيمية، ولا حتى صلاة الجماعة، ولا أقود أي عمل سياسي، ولا تنظيمي من أجل ألا يُقال علينا أننا أبناء القائد شيخ حسن لنرث المكان ونقود الناس. لذا ابتعدت كثيراً عن العمل السياسي والتنظيمي.

*هل  كان للوالد دور في ابتعادكم عن السياسة؟

– نعم، كان له دور في ذلك، فقد كانت فكرته الأساسية هي أن يبتعد (أبناؤه) عن السياسة، وبعض من ملامح مشروعه السياسي أن مداولة السياسة والتوريث أو المناصب حتى في شوراهم العامة، وأن الولاية أن تتم بالكفاءة ومقدرات الأشخاص.

في اعتقادي الشخصي أرى أن هذه (الرؤية) غير حقيقية، لأنه يمكن أن يكون من بين أبناء الشيخ أو أقربائه من هم أفضل من الذين تولّوها بالفعل، لكن شيخ حسن أراد أن يُعطي أنموذجاً للأب (الزعيم) الذي يرفض تقديم أبنائه في المواقع القيادية في الحزب رفضاً لقضية التوريث في الأحزاب السياسية والكيانات القبلية، حتى المهن في السودان، مثلاً فلان يعمل في مهنة ما، لأن والده كان يعمل بها.

*هل عصام الترابي عضو بحزب الموتمر الشعبي؟

– نعم،  باعتبار أن الموتمر الشعبي فترة انتهت، ونحن سنتحول إلى تيار إسلامي جديد اسمه “المنظومة الخالفة”.

* بهذه المناسبة أين تقف “المنظومة الخالفة” الآن؟

– هي موجودة، لكنها غير مُفعَّلة، لأن البعض غير جاد في البحث عن تغيير المستقبل، المؤتمر الشعبي عبّر عن موقف من المؤتمر الوطني في الماضي، عبر المفاصلة، ولأننا نعتبر أن المجموعة البتحمي في السودان خرجت عن مبادئنا كلها، وقامت بأعمال في السلطة لا تشبه التيار الإسلامي، واعتبرناها فساداً مالياً، فخرج الشعبي حتى يفصل التيار الإسلامي عن تلك الممارسات التي تمّت بـاسمه، والآن توجد تحدّيات جديدة، والآن التحدّي أمام التيار الإسلامي العريق بكل مُكوّناته (الصوفية والشعبي والوطني)، وكل أهل القبلة مطالبون بتحقيق الجزء المُتّفَق عليه من التوجّه الإسلامي، وهذا هو المطلوب الآن، وأن “المنظومة الخالفة” هي التي تُمكّن من ذلك.

*كيف ترى مواقف المؤتمر الشعبي من الوطني؟

– ما يدور الآن بين الوطني والشعبي، خلاف جديد، لأن شيخ حسن أصلح الخلاف القديم وتعافى، ودخل مع المُختِلف معهم في مشروع الحوار الوطني.

*أين تلاميذ وأبناء شيخ حسن من قيادة الشعبي؟

– الشعبي لم يستقر بعد كحزب، وأعتبر أن الجيل من أبناء وتلاميذ شيخ حسن، لم يصل لقيادة الشعبي، لأن الأجيال التي ربَّاها شيخ حسن، بدأت تتسلل من قيادة الشعبي، وهي العناصر التي أعتبرها من تلاميذ شيخ حسن، وأنا أعتقد أن شيخ حسن بنى نماذج بشرية سياسية ودعوية قوية جداً، وهذه النماذج لها دور في الحياة العامة، لأنها كوادر تحمل أفكاراً جيدة جداً وقابلة للتطبيق والإصلاح وإعادة التطبيق مع أصحاب الأفكار الأخرى، وأعتقد أن الناس يجب أن تصل إلى حد أدنى من الاتفاق حتى يسير العمل بصورة طبيعية.

*كيف هي علاقتك بالسياسة؟

– ليست لدي علاقة بالسياسة، ولا أقوم بالتصدّي للعمل السياسي، وكما ذكرت، فإن شيخ حسن قَصد التضحية في إبعادنا عن السياسة وأنا استفدتُ من هذه الفكرة ورسخت بداخلي.

*هل لديك موقف  سياسي مُحدّد؟

– نعم، أنا لدي آراء وليست مواقف.

*وضِّح أكثر؟

– هذه المواقف، اكتسبتُها من التجربة التي لازمتُ خلالها شيخ حسن.

*هل حدث أن تم اعتقالك؟

– طبعاً حدث لي ذلك.

*في أي فترة ؟

–  في السنين الأولى للإنقاذ قامتْ مجموعة من (الجهاز) بإلصاق تهم بي وقاموا بمصادرة مُمتلكاتي وبإيذائي في عملي التجاري، فالتجارة رزقي، وكانت الاعتقالات المتعددة، وتمّ فرض حصار اقتصادي عليَّ شخصياً.

*أكيد الوالد تدخَّل؟

– لا… أبي كان  يتباعَد من سلوك الدفاع عن القُرُبات والتمكين.

*كيف تنظُر للفاسدين والمخرّبين في الدولة؟

– لا أهتم كثيراً بحديث الحكومة عن الفساد والتخريب في الدولة، وليس هناك شخص بريء، وأعتقد أن هذه المُمارسات ناتجة عن الفهم القاصر لتولي المسؤولية الحكومية.

* لكن هنالك فساد واضح في الدولة باعتراف الجهات المختصّة؟

– في اعتقادي أن الفساد الموجود في الحكومة هو انعكاس لأفكار الجهل الموجودة في المجتمع، ومن أراد إيقاف الفساد عليه تصحيح المسار والأفكار.

*ماذا تعلّمت من الوالد رحمة الله عليه؟

– كبت مشاعر الكراهية، وأنا شخص حاد، والوالد علّمنا وزرع بداخلنا قُدرة تجاوُز الكراهية والنسيان، وهذا لا يعني أنك تُسارع لتجاوُز ما حدث في الماضي.

* كيف هي علاقتك بابن خالك عبد الرحمن الصادق المهدي؟

– عبد الرحمن أحفظ له مواقف أيام التمرد، كان قائد جيش الأمة، كنتُ على اتصال معه عبر الثريا لحل بعض القضايا الأسرية، وكان يتحدث معي في أمور أعتقد أنه كان صادقاً فيها، وأنا في تلك الفترة لم أفهم ما قاله لي بأن  (الناس المعاهم) يقصد مجموعة اليساريين الشيوعيين والحركة الشعبية أقرب إليه من الحكومة، حينها  لم أستوعب حديثه هذا، وبعد مجيئه الخرطوم لاحظت أنه كان معارضاً للحكومة، وعندما دخل السلطة وعُيّن مساعداً لرئيس الجمهورية.. وقتها صُدِمتُ جداً لأني كنت أعد  عبد الرحمن واحداً من رموز المقاوَمة المسلّحة، واستغربتُ موقفه التصالُحي ودخوله الخرطوم بعدما كان رافعاً البندقية، ويشدّد على أن النظام الحاكم  نظام قمعي وظالِم فكيف يصبح جزءاً من النظام؟

*هل هناك سر ما أو دوافع أخرى لانضمام عبد الرحمن للحكومة؟

– ليس كل ما يُعرف يُقال

*بمعنى؟

-انتقدته ذات مرة سياسياً عبر الصحف، وتم لومٌ بيننا.

*مدى تأثير المواقف السياسية بين الوالد وبين خالك الصادق المهدي؟

بالنسبة لي هناك أشياء غير مقبولة…. لكن الخال شريك الوالد… وحتى على صعيد أولاده وبناته، لكن نكظم الغيظ ونتجاوَز من أجل ألا تُقطَع الأرحام.

*كيف تقرأ الراهن السياسي الآن؟

– أعتقد أنه وضعٌ طبيعي، وأزماته جاءت نتيجة لانحرافات فكرية. فخروج الشباب في تظاهُرات احتجاجية على الواقع المزري أمر غير جديد، وأزمة السودان ليست في حكومته، بل هي أزمة شاملة في الاقتصاد والاجتماع، وهناك أزمة في الشباب فكرية وسلوكية.

*ماذا يعمل عصام الترابي الآن؟

– أحضّر للدكتوراه في جامعة الخرطوم في مجال إدارة الأعمال وأرعى النادي الرياضي وسباق الخيل. وفي جانب العمل الخاص لدي تجارة صغيرة لا تتعدى مصروف الأكل والشراب، ومثقل بالديون والحمد لله.

* لماذا ميولك للدوبيت والشعر وأنت ابن العاصمة؟

– لأني أعمل على تثبيت الإرث العربي للدوبيت.

*من أين جاءت الفكرة؟

– هي مُمارسة كلامية موجودة في أسرتي منذ الصغر وهي ضَربٌ من ضروبِ الفنون.

*علاقتك بالبُطانة وتواجُدك بباديتها كثيراً؟

– بوادي كردفان والبطانة هي عشقي.

*ما سر العشق هذا؟

– عندما أكون هناك تنتابني سعادة ونشوة عارمة.

*لماذ كردفان؟

– ذهبتُ إليها في فترة من الشباب 86 أمضيتُ فترة طويلة بها ثمانية أشهر استفدتُ خلالها كثيراً، وخسرت كثيراً، وتعرضتُ لتسمُّم في كردفان و(رقدت) في مستشفى حمرة الوز ثلاثة أيام غائباً عن الوعي تماماً.

*هل تسميمك تم عن قصد؟

– نعم، تم عن قصد، وعرفتُ الشخص والجهة السياسية التي دفعته لفعل ذلك، ودفعتْ له مبلغاً من المال.

*ماذا تعني لك قرية ود الترابي؟

– ود الترابي قِبلة أسفاري منذ صغري، وأجد ما أجد من متعة في الريف، (لسه) ما دخلتها الكهربا والماء وهي أشبه بالبادية، وهي قريبة من النهر، وفيها استقرار زراعي، وبها بهائم وأعمامي هناك  لديهم خيول، علاقتي بالخيل وبقية الحيونات قَوِيَت عبر ذلك وأهديتُ الرئيس الإيراني السابق بعض الحيوانات الأليفة.

مقالات ذات صلة

إغلاق