ضبط السِّلاح.. التكرار المُخيف!!

خبيرٌ أمنيٌّ: ما زال هنالك بعض السِّلاح لم يتم جمعه

خبيرٌ عسكريٌّ: ملف جمع السِّلاح أبطأ مع مُغادرة حسبو

مصادر شرطية: تجارة المُخدّرات قلّت بعد جمع السِّلاح

خُبراء استراتيجية: نتمنّى ألا ينتكس قرار جمع السِّلاح

أجراه: النذير دفع الله

برغم العملية الواسعة التي أطلقتها رئاسة الجمهورية حول جمع السِّلاح، وبرغم القوانين الرادعة التي تطال كل من يمتلك سلاحاً دون إذنٍ أو ترخيصٍ، إلا أن عمليات تهريب السلاح الى داخل الخرطوم ارتفعت وتيرتها خلال الفترة الماضية، ولكن سرعان ما تتصدى السُّلطات الأمنية والشرطية لتلك المجموعات، بينما يظل السؤال هل عملية جمع السلاح لم تُؤتَ نتائجها المطلوبة أم هنالك جهات أخرى استغلت الظروف الحالية وحاولت إدخال السِّلاح للخرطوم لمزيد من التوتر والضغط…؟

قرارٌ رئاسيٌّ
خلال زيارة لرئيس الجمهورية لولايات دارفور في مايو من العام 2016، أطلق رئيس الجمهورية قراره بعملية جمع السَّلاح، وناشد كل الجهات المُختصة بأن تكون البداية من دارفور نفسها، ولكن سُرعان ما أوكلت المُهمّة لأهل الشأن والوجعة، حيث أصدر نائب الرئيس السابق حسبو محمد عبد الرحمن توجيهاته بالقبض على كل المُجرمين ومُعتادي الإجرام ومُثيري الفتن والصراعات الأهلية، وتطبيق الإجراءات القانونية، مُؤكِّداً عَزَم الدولة على المُضي في تنفيذ هذه الخُطة لتعزيز الأمن والاستقرار حتى تنطلق مسيرة التنمية والخدمات.

جمعٌ طوعيٌّ

برغم التوجس الذي اعترى كثيراً من الناس حول جدية الحكومة في قرارها وحملتها، إلا أنّ الحملة انطلقت في سبتمبر من العام 2017 بولايات دارفور في بداياتها، وأعلنت الحكومة أنّ العملية الأولى من الجمع الطوعي، حيث بإمكان أي شخص أن يُسلِّم ما لديه من سلاحٍ مهما كانت كميته وقُوته، وانتظمت الحَملة لتصل المناطق البعيدة من دارفور بمُساعدة الإدارة الأهلية والقوات الأمنية المُختلفة ليتعاون الجميع على هذا الهدف فكانت النتائج.

جمعٌ قسريٌّ

وبعد مضي أكثر من شهرين وخلال فبراير من العام 2018، لم يتّضح للبعض نوايا الحكومة جيداً، حيث أعلنت الآلية المُختصة في جمع السلاح أن الوقت ما زال مُبكِّراً للجمع القسري، ولكن سُرعان ما تغيّرت الحملة من طوعية الى قسرية ودُون أيِّ تفاصيل اختفى السلاح من على دارفور وأصبح حمله كواحدةٍ من العُيُوب أو الممنوعات فهدأت الأحوال واستقر الوضع الأمني وانعكس ذلك على الحياة العامة لإنسان دارفور.
ضبطية الجزيرة

خلال مايو من العام 2016 في أكتوبر الماضي، أحبطت المباحث المركزية بولاية الجزيرة مُحاولة لتهريب كميات من الأسلحة والذخائر كانت في طريقها من رفاعة شرق ولاية الجزيرة متجهة الى ولاية القضارف، وعثرت على 32  بندقية كلاشنكوف وأكثر من 12 ألف طلقة كلاش وكميات أخرى من ذخيرة القرنوف داخل عربة لوري.

ضبطية القضارف

بينما توفرت في العام 2018 معلومات لدى مكتب الشرطة الأمنية بولاية القضارف عن شبكة مُكوّنة من (3) مُتّهمين سُودانيين إثر معلومات تَوَفّرَت لها في طريقهم لتهريب كميات من الأسلحة والذخائر للجانب الإثيوبي.

وفي منطقة القريشة، التي تبعد خطوات من الأراضي الإثيوبية، تَمّ القبض على عربة وعلى متنها كميات من القصب وأشياء أخرى للتمويـــه، وكانت الشرطة الأمنية تُراقبها عن كثبٍ، وفي المنطقة المُحَدّدة وساعة الصفر تم ضبط العربة وبتفتيشها عثرت الشرطة على 43 قطعة سلاح كلاشنكوف، بينما كشفت شرطة القضارف وقتها أنّ الأسلحة التي كانت في طريقها لخارج البلاد عبر المعابر بلغت أكثر من 180 قطعة سلاح مُختلفة الأنواع.!

شقة أركويت

عَثَرت سُلطات الأمن السُّودانية في فبراير من العام 2017 على بقايا قنبلة انفجرت أثناء مُحاولة شخصٍ تجميعها مَا أدّى إلى إصابته بجروحٍ، وأضافت الشرطة في بيان لها أنّ المُشتبه به في الحادثة ذَهَبَ بنفسه إلى مستشفى مُجاورٍ لمكان الحادث، إلا أنّه غَادره بعد أن اشترط الطاقم الطبي إبلاغ الشرطة قَبل علاجه، وأعلنت الشُّرطة وقتها أنّها تَجري مُباحثات وعملية بحث عن المشتبه به أو أيِّ شخصٍ له علاقة بالأمر، فيما لم يتم القبض على أي شخصٍ وقتها.

تانكر الوقود

خلال نوفمبر من العام 2016، ضبطت السُّلطات الأمنية شُحنة سلاح مُهرّبة عبر تانكر وقود إلى داخل ولاية الخرطوم، وكشفت شرطة الخرطوم شرق خلال مؤتمر صحفي أن شرطة محلية الخرطوم كانت قد تحصّلت على معلوماتٍ عن عملية تهريب سلاح إلى داخل الخرطوم، ومن خلال الرصد والمُتابعة وإعداد كمينٍ تمّت مُداهمة تانكر الوقود أثناء توقُّفه بضاحية المعمورة وتمّ العثور على 398 مسدساً وأكثر من 16 ألف طلقة ذخيرة واتّضح أثناء التحريات أن الشاحنة قادمة أنّ إحدى دول الجوار.!

بَوّابة أم درمان

خلال الأسبوع الماضي من هذا الشهر، تمكنت قوة من جهاز الأمن والمخابرات الوطني في غربي أم درمان من ضبط كميات كبيرة من الأسلحة المُختلفة في شاحنة كانت تحمل كركدى في منطقة دار السلام، وأوضح جهاز الأمن خلال مؤتمر صحفي أن الأسلحة التي تم ضبطها تنحصر ما بين “كلاشنكوف وج3 ومدافع كوشكا وقرنوف وعدد من الأسلحة الإسرائيلية الصنع والذخائر المُختلفة”، مُؤكِّدة أنّ جُزءاً من هذه الأسلحة كان ضمن مخطط لاغتيال شخصيات بالخرطوم، وأمس اقتحمت قُوةٌ من جهاز الأمن والمخابرات الوطني وكراً للسِّلاح غربي أم درمان بالقُرب من سجن الهدى، حيث أسفرت العملية الناجحة عن القبض على (3) مُتّهمين وضبط كمية كبيرة ومتنوِّعة من الأسلحة مدفونة داخل المنزل الذي كان المُتّهمون يُقيمون فيه ويعيشون حياةً طبيعيةً .

حرب الجيل الرابع

الخبير العسكري اللواء (م) يونس محمود قال لـ (الصيحة)، إنّ عملية تجارة السلاح ووجوده في أيدٍ تتداوله ليس بالأمر الجديد، لاعتماد الحركات المُتمرِّدة على تجارة السلاح، ووجود الإقليم المُضطرب حول الدولة السودانية، ووجود عناصر المخابرات وعصابات تجارة السلاح ومندوبي شركات صنع السلاح في السوق السوداء، مِمّا يظل معه منفذ تداول السلاح مفتوحاً لتحقيق المصالح بمختلف أغراضها سواء كانت تجارية أو سياسية، وأضاف يونس أنّ هنالك استراتيجية بعيدة المَدَى لتدمير بعض الشعوب أو ما يُسمى بحروب الجيلين الرابع والخامس، مُشيراً إلى أنّ كل المُؤشِّرات السَّابقة أدّت لأن تكون المُغامرة حَاضِرَةً حول تجارة السِّلاح، وأكّد يونس أنّ الحَملة التي أطلقتها الحكومة وقَادَهَا نائب رئيس الجمهورية السَّابق حسبو مُحمّد عبد الرحمن، أبطأ إيقاعها مع ترك حسبو لهذا الملف وهي واحدةٌ من أمّهات المُشكلات في الدولة السُّودانية تَعَلُّق الملفات بالأشخاص، وهنالك عشرات الأمثلة في ذلك مما كان له الأثر المُباشر في ظهور مافيا تجارة السِّلاح مَرّةً أخرى، مُبيِّناً أنّ دخول الحركات المُسلّحة ضمن الثورة المُسلّحة الذي تمّ تداوله سابقاً من قبل عرمان وعبد الواحد وخليل ومني وجبريل وهو إسناد البندقية للعمل الشعبي لإسقاط النظام، سيما وأنّ طرف المُعادلة الأول قد أوفى بما عليه وأصبح الالتزام من الطرف الآخر للمعادلة واجب النفاذ من قبل الحركات المسلحة مما أدى لنشاط عملية دخول السلاح خاصة للخرطوم ضمن هذا العمل، وكشف يونس أنّ ما يتم ضبطه دائماً ما يساوي 10% من جُملة ما تسرّب، مُطالباً الأجهزة الأمنية أن تُوسِّع من دائرة الرقابة والمُتابعة، سيما وأنّ هذه العملية تتعلّق بأمن البلد وعُمق العاصمة السُّودانية وداخل المُجتمع السُّوداني، لذلك فإنّ الخطر سيضرب الجهاز المناعي للدولة، وأوضح يونس أنّ الأجهزة الأمنية نسبت معظم الأسلحة التي يتم ضبطها لعبد الواحد محمد نور، لأنّ عبد الواحد في أحايين كثيرة يُجاهر بأنه وراء تلك العمليات، وأبان يونس أن حصر كل الضبطيات على عبد الواحد يُعتبر ناقصاً، سيما أنّ المسألة مُتعلِّقة بكل الحركات المُسلّحة، بل والأحزاب السياسية السُّودانية التي وقّعت مع الحركات المُسلّحة أي ميثاق وعهد، فإنّها تُعتبر ضمن عمليات دخول السلاح لأنّها غضت الطرف عنها للمُساعدة في حسم المعركة بقوة السلاح داخلياً، مؤكداً أنّه لا جديد في عملية الضبط الأخيرة سوى تَوقيتها غير المُناسب في ظل حالة وقانون الطوارئ وهي مُغامرة غير مَحسوبة النتائج، لأنّ خسارتها تعني أقسى عقوبة، كاشفاً أن مُغريات التّهريب أصبحت موجودة من تنفيذ أجندة سياسية وتحقيق أعلى ربحية في ظل الوضع الحالي، مُنادياً بضرورة الحيطة والحذر وتكثيف الحضور الأمني في المنافذ البعيدة عن المراقبة، كما تقول القاعدة العسكرية (الأكثر احتمالاً والأكثر خطورة) فيما يتعلق بالمواقع والمنافذ ودعم الأجهزة الأمنية بكل وسائل المُراقبة المُختلفة.

قَانُونٌ رَادِعٌ

الخبير الأمني نبيل الصادق أكّد لـ (الصيحة) أنّ كل الضبطيات المُتعلِّقة بالأسلحة لها ارتباطٌ مُباشرٌ بما يشهده الوضع السِّياسي الحالي، مُنبهاً أنّ الملفات المُتعلِّقة بالأوضاع الأمنية يجب ألا ترتبط بأشخاصٍ، خاصة ملف عملية جمع السلاح، وَأَضَافَ نبيل أنّ مُعظم تلك الأسلحة التي وقعت في أيدي السُّلطات الأمنية كانت وجهتها إلى داخل الخرطوم دُون غيرها، مُشيراً إلى أنّ الجُهُود التي بَذلها نائب الرئيس السّابق حسبو أصبحت نتائجها واضحة المعالم لما شَهدته ولايات دارفور من هُدوءٍ كَبيرٍ للأوضاع الأمنية، وشدد نبيل أنّ الأسلحة التي ضبطتها السُّلطات قبل عدة أيام وأمس لها ارتباطٌ مباشرٌ بتطورات الأحداث الأخيرة والحراك الموجود، كاشفاً أن الحركات المسلحة لها ارتباطٌ مباشرٌ بهذه الأسلحة، مُبيِّناً أن هنالك كميات من السلاح ما زالت بأيدي المُواطنين لم يتم جمعها بعد، وأسلحة اخرى ما زالت تدخل عبر الحدود المفتوحة، بل وبعض الخلايا النائمة التي نَشطَت مُؤخّراً مُستغلةً الظروف التي تمر بها البلاد، وجزم نبيل أن حملة جمع السلاح مهما بلغت من مهمتها فإنها ستكون غطّت ما نسبته 60% وهو ما يُؤكِّد وجود بقية أخرى للسلاح ما زالت بأيدي المُواطنين، بينما تجارة السلاح موجودة حالياً، سيما وأنّ امتلاك السلاح ارتبط بأشياءٍ أخرى، منها الرعاة والمُهرّبين وغيرهم، فيما يعتبر الباب أو الاتجاه الجنوبي نشط بهذه التجارة، ولكن ما زالت بعض الخلايا موجودة تعمل على تسريب السلاح إلى داخل الخرطوم، وطالب نبيل الأجهزة الأمنية بمزيدٍ من اليقظة والعمل الجاد لاحتواء الضبطيات ووضع قانونٍ رادعٍ لتُجّار السِّلاح.

السِّلاح والمُخَدّرات

مصادر شرطية أكّدت، أنّ عملية دخول السلاح للعاصمة والولايات الأخرى تأتي من دول الجوار طبقاً للتقارير الموجودة والوقائع والتحريات، وشددت ذات المصادر أن عمليات ضبط الأسلحة أصبحت تُواجه تحدياً كبيراً في ظل الظروف الحالية، حيث ضبطت الجهات الأمنية مُؤخّراً وفي فترات زمنية متقاربة من ضبط عددا من شحنات الأسلحة، منها حادثة أركويت والصحافة وكسلا والشمالية وآخرها غرب أم درمان، وأضافت ذات المصادر أن عملية جمع السلاح التي أعلنتها رئاسة الجمهورية حققت استقراراً واضحاً في إقليم دارفور وبقية مُدن السُّودان، ولكن هذا لا يعني أن الأوضاع وصلت قمتها أو نهايتها، حيث ما زالت هنالك بعض الخلايا النائمة وبعض تُجّار الأسلحة الذين يستغلون أي ثغرة كانت من أجل إدخال السلاح أو المُتاجرة فيه، سيما وأن تجارة السلاح تعتبر من التجارة المربحة جداً، وأوضحت تلك المصادر أنّ نجاح عملية جمع السلاح جاء لتعاون الجميع بما فيهم أهل دارفور أنفسهم، مِمّا انعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي والأمني بل والاجتماعي، وكشفت المصادر لـ (الصيحة) أنّ القرارات الأخيرة لجمع السلاح أحدثت معها فرقاً واضحاً بأن قلّت تجارة المُخدّرات التي تعمتد في أغلب الأوقات على امتلاك السلاح.

انتكاسة قرار

بينما أكد بعض الخبراء المهتمين أن قرار رئاسة الجمهورية بشأن عملية جمع السلاح يظل قراراً صائباً وهو من أقوى وأخطر وأجرأ القرارت التي اُتّخذت خلال العام 2016 وتم تنفيذها خلال العام 2017، لأنه ساعد كثيراً في استتباب الأمن وعودة الحياة إلى طبيعتها في ولايات دارفور عموماً، ولكن ذات الخبراء أشاروا الى أنّ ملف جمع السلاح ارتبط ارتباطاً مُباشراً بشخصية النائب السابق لرئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن لما أولاه من اهتمامٍ كبيرٍ تجاه العملية، ولكن سُرعان ما بدأت مرةً أخرى بعض المظاهر السلبية من تهريب وتجارة للسلاح، مُطالبين رئاسة الجمهورية أن تولي ذات الملف الاهتمام الأكبر حتى لا يهدم ما بناه الآخرون بثورة حققت الأهداف المرجوة منها، مُشَدِّدين بعدم السماح لانتكاسة ذلك القرار الشجاع حول عملية جمع السلاح.

مقالات ذات صلة

إغلاق