شمال بحري.. رحلة البحث عن المياه 200 جنيه سعر برميل المياه بمنطقة “التمانيات”

62  قرية تواجه العطش بالمنطقة جراء انقطاع المياه بالمحطة

مواطن: هيئة الكهرباء تتحصل رسوم المياه ولا توجد خدمة

 هيئة المياه: نحتاج إلى 30 مليار جنيه لإعادة الخدمة بالمحطة

حلول آنية و30 ألف متر مكعب فجوة في عمل المحطة

الخرطوم: إبتسام حسن

يعاني أهالي مناطق وقرى شمال بحري من العطش الحاد جراء انقطاع المياه بمحطة بحري شمال (التمانيات)، والتي تسقي 62 قرية، وتبدأ من منطقة قري إلى الخوجلاب وأجزاء من الحلفاية والكدرو، مرتبطة بشبكة مياه المحطة شمال بحري التي تشكو من جفاف تام وانعدام المياه بها لفترة قاربت الشهر.

 وشكا المواطنون مر الشكوى من أثر المعاناة التي يجدونها من الجفاف، وعدم توفر المياه، غير أن الجهات الحكومية تعمل لحل المشكلة بسياسة إطفاء الحرائق، الأمر الذي وجد امتعاضاً من المواطنين.

صور المعاناة

شرب مياه غير صالحة من الآبار تسبب في مشاكل صحية وظهور حالات من الإسهالات جعلت المواطنين يتزاحمون على المراكز الصحية، غير أن مشكلة انقطاع المياه من المنطقة ليست المرة الأولى، بل سبق وأن انقطعت ثلاث مرات خلال هذا العام.

 وقال المواطن محمد علي، الذي تحدث للصحيفة إن أسرته عانت من مشاكل صحية خلاف التكلفة المادية للحصول على المياه، إذ وصل  سعر برميل المياه إلى 200 جنيه.

معاناة بالغة

ابتدرت المواطنة جدية علي حديثها بقولها: إن هذه المنطقة شهدت للآباء بالمروءة وتقول إن آباءها لم تمر عليهم  (جنازة) بحر إلا وتم الإمساك بها، في إشارة إلى قوة تيار المياه بالمنطقة، وأنها لم تشهد حالة من الجفاف من قبل، وتضيف أنهم في المنطقة يعانون معاناة بالغة بسبب عدم توفر المياه، وتضيف أنهم لجأوا إلى  الآبار الارتوازية المالحة ما تسبب بمشاكل صحية، وأشارت إلى أن المياه التي يشربونها غير نقية.

الاستعانة بـ(الركشة)

فيما أشار حافظ حسن، صاحب ركشة، إلى أن المواطنين من فرط المعاناة أصبحوا يستعينون بتوفير المياه عبر الركشات بعد أن تم شغل جميع أصحاب الكارو بالمنطقة، ويقول إن الجفاف أدى إلى إرهاق مواطني المنطقة لجهة أن المياه هي عصب الحياة، ولا يمكن إجراء أي نشاط في حال انقطاع المياه، ويضيف: بعد كل هذه المعاناة فإن الهيئة القومية للكهرباء تتحصل على رسوم المياه مقدماً فى وقت لا توفر فيه الخدمة للمواطن، بل إن المواطن يشتري المياه بتعرفتين وبقيمة 200 جنيه للبرميل، وتعتبر هذه مفارقة، وقال: في الفترة الأخيرة بدأت المياه تنساب لبعض البيوت بضعف بائن، في وقت لا تصل فيه إلى بيوت أخرى وهنا تتضاعف المعاناة بجلب المياه من النيل مباشرة .

تخطيط خاطئ

وأكد مصدر مسؤول بهئية المياه، أن الكسب السياسي والتخطيط الخاطئ وعدم الرؤية المستقبلية أساس انهيار المشاريع في البلاد، ومنها محطة مياه منطقة التمانيات والتي تغطي أكثر من ثلث الولاية، والتي لم يبلغ عمر إنشائها عشر سنوات، كاشفاً عن اهتمام الجهات المسؤولة بوضع حلول جذرية بتوصيل المياه من غرب الجزيرة، والبالغ مسافتها 1000 متر والتي تنفذ عبر عطاءات تمت إجازتها في ميزانية 2019 تمول من وزارة المالية الولائية، مؤكداً أن هذه المشكلة قاربت السنوات السبع، لافتاً إلى عدم توفر الأموال والتي تبلغ 30 مليار جنيه لإعادة المياه إلى المحطة، مما أدى إلى تأخّر حلها.

 ووافق مواطن بمنطقة الفكي هاشم على أن المشكلة تتعلق بملابسات عدم ملاءمة المنطقة التي أقيمت عليها المحطة، إذ توصف بأنها ليست ذات مضرب ثابت، مردفا أن هناك روايات متناقلة، أن هناك مرشحاً برلمانياً كان قد طلب من جهات حكومية أن تشتري منه الأرض التي بنيت عليها المحطة وتمت عملية البيع ليتأكد بعد ذلك ظهور هذه المشكلة أن المنطقة لا يوجد بها مضرب ثابت، والدليل على ذلك ظهور جزيرة بالمنطقة، وأرجع المواطن المشكلة إلى الأهداف التي اشتريت بها الأرض المتمثلة في الكسب السياسي.

ما وراء المشكلة

مدير محطة شمال بحري مهندس صابر ميرغني علي، قال إن السبب في المشكلة هو انحسار النيل غير المتوقع، لكنه عاد وأضاف أنه وفقاً لسكان المنطقة، فإنها كانت توصف بأنها منطقة “شيمة” بمعنى أنه من المفترض ألا يحدث فيها ترسيب للطمي، وأن يكون تيارها قوياً.

 ويشير المهندس، إلى أنه عندما تولى إدارة المحطة في 1/11/2018 دارت أقاويل كثيرة بين أصحاب المنطقة من ضمنها أن تيار المنطقة قوي وأن الجزيرة كانت على بعد 40 متراً من المحطة، إلا أنها بدأت تتمدد حتى أغلقت الجزيرة الجهة الشرقية للمحطة، وبالتالي كان لها تأثير كبير، كان من المفترض أن يحسم منذ أن كانت صغيرة غير أن الجزيرة ملك لمواطنين لا يمكن أن تتصرف فيها هيئة المياه حسب المهندس، إلا في حال الدخول في تسوية، وبدأت المياه في الانحسار كل عام.

 ويقول المهندس إن إدارته طالبت إدارة خزان الرصيرص وخزان جبل أولياء بفك المياه، إلا أن إدارة الخزانين رفضت إلا بعد 15 مارس المقبل بحجة أن المياه بسيطة ويستفاد منها في الخزانين في توليد الكهرباء، فضلاً عن أن إدارة المحطة مجابهة بتغطية كثافة كبيرة تبلغ 50 ألف متر مكعب، لتكفى مواطنين من قري وحتى الكدرو.

مساعٍ للحلول

وأكد صابر أن إدارته ساعية إلى وضع حلول جذرية بمعاونة اللجان الشعبية، مقراً بأن المحطة خارج الخدمة، وأن إنتاجيتها لا تزيد عن 20 ألف متر مكعب، وأن الفجوة 30 ألف متر مكعب بعد وضع حلول آنية بتشغيل المحطة منذ 5 صباحاً وحتى الواحدة ظهراً، وأقر بأن الآبار ساعدت في حل المشكلة .

دراسة للمضرب

وكشف المدير، عن إجراء دراسة بغرض تحويل مضرب المياه غرب الجزيرة بجهة جبل الشيخ الطيب، بحيث تنحصر مياه النيل في منطقة الجبل وذلك عبر طرح عطاءات للشركات، الذين بدورهم رفعوا دراسة للهيئة، ومنها رفعت إلى حكومة ولاية الخرطوم، مؤكداً أنه الآن جاري العمل في تنفيذ المضرب، لكنه أقر بأن التكلفة عالية لتحويل المضرب، وأشار إلى إمكانية رفعها للحكومة الاتحادية في حال عجز حكومة الولاية عن توفير الميزانيات المطلوبة.

حلول آنية

غير أن الوضع يتطلب وضع حلول آنية خاصة وأن الحل الجذري يستغرق عاماً كاملاً أو أكثر، حسب مدير المحطة، ولجأت إدارة المحطة إلى توفير مضخات على الضفة الشرقية للجزيرة بحيث تسحب الرمال من المجرى وترسبات النيل على أن تلقى في الترعة مباشرة، وقال إن العمل يساعد فيه خيّرين بالإمداد بآليات، من بينهم مصنع السيراميك بالمنطقة، فضلاً عن دعم مالي من خيرين، وأكد بان السدود تسبب مشاكل بأخذها حصة من مياه النيل، منها سد النهضة، وتتعامل مع مشاريع أخرى مثل مشاريع الكهرباء والزراعة، فضلاً عن أن كمية المياه كبيرة لا تجد تياراً يرفعها وتشكل جزراً في النيل، الأمر الذي خلق مشكلة أثرت على ضخ المياه، معتبرًا أن السدود أثرت سلباً على ضخ المياه بشكل أدى إلى انحسار مفاجئ ونمو الجزر، إذ أن أقل عائق يُحدث ترسيباً.

عطش الآلاف

 من جهتها أكدت إدارة المحطة ضخ المياه عبر طلمبات من الجهة الشمالية للمحطة والتي توفر 1000 متر مكعب فقط، وتسحب عكس التيار مشيرة الى الحاجة إلى 500 متر مكعب، واعتبرته حلاً مؤقتاً لتقليل العطش.  واعتبرت الجفاف ناتجاً عن انقطاع مياه النيل في مكان المحطة نسبة لإنشاء المحطة قرب الجزيرة مما أثر على عملية المد والجزر في تراكم الطمي وانسداد مجرى النيل بين الجزيرة والمحطة، ونجد اعتماد الأهالي عليها أثر عليهم تأثيراً كبيراً، وهذا أدى إلى أن تفتح القرى الآبار الارتوازية القديمة التي لم تدمر، وتسبب انعدام المياه في عطش الزرع والمراعي باعتبار أن معظم أهالي تلك المناطق يعتمدون على الرعي والزراعة، وكل هذا بسبب التخطيط ، فمحطة مياه التمانيات مسماة بالنية، وهي قرية تبعد من التمانيات بـ5 كيلو، إلا أن التخطيط غير السليم والنظرة غير المستقبلية أنشأت المحطة في التمانيات لاستفادة فرد وعطش آلاف، بل ملايين الأفراد وأكد المسؤولون حل المشكلة حيث تم جلب طلمبات لسحب المياه، ولكن دون جدوى لانحسار مياه النيل وجفاف منطقة المحطة بصورة تامة بمكان إنشاء المحطة، ويعيش أهالي تلك المناطق عطشاً بصورة كبيرة والبحث عن المياه من مناطق بعيدة لعدم توفر المياه، بجانب عدم وجود مياه بالترع (الجداول) التي تروي المشاريع مما يهدد المشاريع الزراعية بتلك المناطق. الأزمة الحادة للمياه بتلك المناطق سميت من بعض الأهالي بالمحل لعطش الأشجار والخضروات المنزلية التي يعيش عليها عدد كبير من المواطنين للاكتفاء الذاتي الذي تنادي به الحكومة .

الاستعانة بالدعم السريع

من جهته أكد مصدر محايد ـ رفض الإفصاح عن هويته، أن المشكلة تتلخص في انحسار المياه بعيداً عن الطلمبات بعد شهر فبراير إلى شهر مايو  من كل عام، إذ أن وارد المياه يقل في هذه الفترة وتبعد من محل الطلمبات، وبعد دخول الطلمبات يجري حفر المجري بطلمبات مناولة محل عجز المياه، لكنه قطع بأن المشكلة لا يمكن أن تحل جذرياً الا بإنشاء مضرب جديد، مشيراً إلى أن هيئة مياه ولاية الخرطوم اختارت 5 مواقع، إلا أنه أخيراً تم اختيار موقع عبر الجزيرة، وشرعوا في الإجراءات اللازمة بعد إجراء دراسات، مؤكدًا أنه إذا بدأ العمل في المضرب الجديد، فإن العمل لا يستغرق شهوراً لحل المشكلة، وقال إن الحلول الحالية إسعافية غير أنه توقع أن تنجلي المشكلة بعد شهر أبريل المقبل بهطول الأمطار وزيادة منسوب المياه، بما يمكن أن تروي قرى الريف الشمالي، وأكد أن “اللود” عالٍ على المحطة، إذ أن هناك امتدادات جديدة للقرى التي ترويها المحطة، فضلاً عن استفادة مواطني المنطقة من (الحيشان) الممتدة في الزراعة والتي تروى من المحطة مقراً بالتسبب في مشاكل صحية للمواطنين بسبب اعتمادهم على الشرب من مياه الآبار الارتوازية المالحة، والتي بدورها تسببت فى كثير من الإشكالات، مؤكدا أن هناك محطات تعمل لمدة 80 عاماً دون أن تتأثر.

مقالات ذات صلة

إغلاق