سيناريو الاعتداءات.. طَرد مبارك الفاضل!!

الخرطوم: أم سلمة العشا

لم يَدُر في خُلد بعض المسؤولين من الوزراء، الحَاكمين والمُعارضين، أن يمضي بهم الحال إلى الاعتداء من قبل بعض الناغمين والغاضبين لسلوك وتصرفات هؤلاء المسؤولين، نماذج ووقائع كثيرة تلقاها سياسيون في مسيرتهم العملية أصبحت محفورة في الذاكرة، في المُقابل اعتبرها البعض بأنها ظاهرة تمدّدت، واستشرت وسط السياسيين، بينما رآها آخرون أنّها أعمالٌ فرديةٌ لبعض الناغمين والغَاضبين، على المسؤولين في الدولة، اللافت في الأمر أنّ الاعتداءات تكرّرت وتعرض بعض المسؤولين للتراشق والحصب بالحجارة وقوارير المياه وغيرها من الاعتداءات، وآخرها تعرُّض رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل للاعتداء والطرد من أمام القيادة العامة من قِبل المُحتجين.

التاريخ يُعيد نفسه

يعود التاريخ من جديد، ليعيد مشهداً من مشاهد الاعتداءات على المسؤولين السياسيين، ولعلّ حادثة طَرد رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل من أمام مبنى القيادة العامة من قبل المُحتجين في موكب السادس من أبريل، تزامنًا مع ذكرى انتفاضة أبريل العام 1985م.

حيث فسّر المُحتجون مشاركة مبارك الفاضل بأنه موقفٌ استغلاليٌّ، يُؤكّد تولي الفاضل لما تخلفه الاحتجاجات في ذلك الوقت، والأمر الذي اعتبره المُحتجون بأنه اختطاف لعملهم، التي قادها الشباب.

ولعلّ حادثة الطرد كانت بمثابة سانحة لاجترار ذكرى الاعتداءات التي حدثت وتعرّض لها بعض المسؤوليين السياسيين، الحاكمين والمعارضين، ومن هنا نذكر بعض النماذج التي تعرّض لها المسؤولون، ففي السادس والعشرين من يناير 1992م، تعرّض المُفكِّر الإسلامي د. حسن الترابي لاعتداءٍ من قِبل المُلاكم العالمي هاشم بدر الدين عندما كان بمطار (أتاوا) في كندا وسقط على الأرض جرّاء ضربة وتعرُّضه لـ(بُونية) وجّهها له الأخير، وخرجت أخبار وقتها تقول إنّ الرجل فَقَدَ الذاكرة نتيجةً لهذا الأمر، ولكن في النهاية خرج الترابي بصحةٍ جيدةٍ، خَاصّةً أنّه كان يقود مشروعه الإسلامي.

وبحسب تصريحاتٍ سابقةٍ، يقول هاشم بدر الدين، إنّ ما حدث كان نتيجة لاستفزازات من حرس الترابي الشخصي وأدى لهذا الأمر في النهاية، حيث وجدت الحادثة استنكاراً من قِبل الكثيرين الرافضين للعنف.. (بُونية هاشم) أصبحت من أشهر الضربات في تاريخ السِّياسَة السودانية..!

عاصفة غندور

أبرز الوقائع والنماذج ما حَدَثَ للقيادي البارز بالحزب الحاكم بروفيسور ابراهيم غندور في السادس من ديسمبر 2011م بدار حزب الأمة القومي وتعرُّضه لحصب بالحجارة وقوارير المياه أثناء مُحاولته التّحدُّث في ندوةٍ سياسيةٍ للتّضامن مع انتفاضة الشعب السوري، حيث قَاطعته الجماهير المُحتشدة بالدار وهي تهتف (لا وفاق مع النفاق)، وأثناء صعوده إلى المَنَصّة قاطعته الجماهير المُحتشدة بهتاف: (غُور غُور يا غندور)، وقد تصاعد الأمر إلى التراشق، وتمّ حصبه من بعض الحضور بالحجارة وقوارير المياه، الأمر الذي دفع نائب رئيس حزب الأمة القومي د. مريم الصادق للاعتذار عن السُّلوك، وقالت إنه لا يشبه حزب الأمة القومي، وتأسّفت لذلك، مشيرةً إلى أنّ دار حزبها مفتوحة للجميع لتقديم آرائهم بمن فيهم قيادات الحزب الحاكم.

وبالرغم من بعد مسافة التراشق والاعتداء لفترات طويلة، ومرور زمن عليها، إلا أنّ حادثة الترابي التي حدثت في بداية التسعينات أعادت إلى الأذهان الذكرى من جديد، ووقع حادثٌ آخر مُشابه له عندما أقامت سفارة السودان بلندن في السادس من شهر يوليو عام 2011م ليلة سياسية داخل مبانيها، تحدث فيها كل من مساعد رئيس الجمهورية د. نافع علي نافع ود. مصطفى عثمان إسماعيل مستشار رئيس الجمهورية، وبالرغم من اتّخاذ السفارة لإجراءاتٍ أمنية مُشدّدة للسيطرة على الندوة ومنع دخول الكاميرات والتّسجيل والمُوبايلات، إلا أنّ أحد الحُضُور داخل مباني السفارة فاجأ الجميع عندما قَذَفَ نافع بأحد بالكراسي وبحقيبة، وسُرعان ما تَدَخّلَ البعض وتمّ القبض على المُعتدي من قِبل الشرطة البريطانية، وقامت باعتقال شابين، ولكنها سرعان ما أطلقت سراحهما بعد توسّط بعض الحكماء من الحاضرين.

أعمال عنيفة

فيما اعتبر الخبير الاجتماعي، د. عبد الرحيم بلال، الاعتداء في الأساس خطأً، والعنف الجسدي غير مطلوبٍ وغير مُحبّبٍ، وإنّما إذا كانت هنالك وسيلة أخرى يكون أفضل، وقال: هناك من يرفض الحوار ويختلفون معه، لكن لا يعني أن يكون بديل الرفض العنف الذي يحدث، وأوضح لـ (الصيحة): ليس هنالك ما يمنع أي شخص في أن يقول رأيه إذا كان مع أو ضد، ولم يستبعد أن يتم تطويره إلى أعمال عنيفة ونتائجها ربما تكون مَردودة إذا وصلت درجة الاغتيالات، وبرّر ما حدث بشأن رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل وطرده من أمام القيادة العامة من قِبل المُحتجين، إلا أنه بالإمكان قد تكون في مُحاولة للسِّياسيين لاختطاف الثورة من الثُّوّار، لكن ما حدث ليس هو الأسلوب الذي يجب أن يتعامل به مع المسؤولين، وأضاف أنّ اختطاف المنابر في حدِّ ذاته خطأ، ويُثير حفيظة الآخرين ويقود إلى أعمال عنيفة جديدة، كما أن ردة الفعل تعتبر خطأً، ويؤدي إلى الاغتيالات وهي مسألة خطيرة، ورغم أنّ ما يحدث من اعتداءٍ فردي، إلا أنه يُؤكِّد التّوتُّر الموجود في المجتمع، كما أن الاعتقالات من قبل الحكومة لعشرات السياسيين والعنف في المعتقلات، هو أحد العوامل الذي يؤدي إلى العُنف، وإذا كانت الدولة تتعامل بهذا العُنف، من البديهي أن ينعكس ذلك في سُلُوك المُواطنين.

تباينت الآراء حول الاعتداءات المُتكرِّرة للمسؤولين وتعرُّضهم للعُنف السياسي، حيث رأي البعض أنّه لم يصل إلى درجة الظاهرة حتى الآن، فيما يراه آخرون أنّه مُجرّد مشاحنات سياسية فقط، كما أنّ أغلب حوادث الاعتداءات تكون نتيجتها أنّ المُعتدي غالباً ما يُعاني من اضطرابات نفسية، وأحياناً تكون نتيجة للضغوط الاقتصادية والمعيشية. وفي رأي آخر، فإنّ ذلك الاعتداء لم يصل إلى مرحلة الظاهرة التي تتطلّب الحذر والخوف، فهي تحدث في المُتوسِّط مرة كل عام، كما أنّ أسباب ما يحدث هو الفضاءات المفتوحة والعولمة التي نقلت الثقافات الأخرى.

اضطرابات نفسية

وبحسب تقارير طبية سابقة، تُؤكِّد أنّ بعض المُعتدين يُعانون من اضطرابات نفسية، فيتطوّر الأمر من نقاشٍ لفظي إلى عُنف بدني، فمثلاً الاعتداء على الترابي في كندا من قِبل الملاكم العالمي، وكذلك حادثة نافع في لندن، فلا يمكن أن تدخل تلك الحوادث في قائمة الاغتيالات، لأنّ الأدوات المُستخدمة فيها ليست أدوات قتال. فيجب وضع الأحداث في قالبها الصحيح وإعطائها حجمها الحقيقي. فالمسؤولون يتجوّلون بحُريةٍ في الشوارع والمُناسبات العامة ويُمارسون حياتهم بصُورةٍ طبيعيةٍ دون خَوْفٍ أو رقابةٍ.

مقالات ذات صلة

إغلاق