سودانيون في سجون لبنان.. افتراضات خاطئة وضعتهم خلف القضبان…

الخارجية: على الشباب أن يدركوا أن سوريا ولبنان ليستا دولتي هجرة اقتصادية

الظاهرة تُعرِّض المهاجرين لعصابات الاتجار بالبشر والأعضاء والمخدرات

علي الصادق: اختيار لبنان للتوطين أو لإيجاد فرصة عمل تقدير خاطئ

إعفاء المُخالفين من غرامة (440) دولاراً تشجيعاً للعودة الطوعية

السفير بلبنان: (25ـ40) يدخلون السجن شهرياً واثنان محكومان بالمؤبد

الداخلية:………….

الخرطوم: روضة الحلاوي

أصبحت الهجرة بكل أشكالها الشرعية وغير الشرعية، حلماً يرواد الشباب السوداني، يتبادلون الأفكار فيما بينهم لتحقيقه دون الاكتراث للمخاطر التي تنطوي عليها، والتي أقلها السجن لقضاء عقوبة مخالفة شروط الإقامة في الدولة المستضيفة، أضف إلى ذلك وقوع الكثير منهم ضحية لعصابات الاتجار بالبشر والأعضاء والمخدرات.. وبسبب تلك الظاهرة يقبع عدد كبير من الشباب السودانيين داخل السجون في عدد من البلدان الأخرى.

 (الصيحة) فتحت هذا الملف، وكانت بدايتنا بدولة لبنان، حيث تم إدخال عدد كبير من الشباب السجون بسبب هذه الظاهرة التي تهدد حياة الكثيرين..

سهولة الدخول إلى سوريا

بداية، لابد من الجلوس لوزارة الخارجية ممثلة في الناطق الرسمي باسمها السفير أبوبكر الصديق، الذي قال إن غالبية الشباب المهاجرين غير الشرعيين للبنان والذين يتعرضون لعقوبة مخالفة الإقامة في السجون اللبنانية هم من المتسللين عبر الحدود السورية بعد الوصول إلى سوريا التي يسمح قانونها بمنح كل من يحمل جوازاً عربياً  تأشيرة الدخول إليها في المطار. ويستغل هؤلاء المهاجرون هذه الثغرة في الوصول لسوريا كدولة معبر للدخول إلى لبنان عبر الحدود وفي مخيلتهم أنهم سيحصلون على فرص عمل وتوطين، لكن هذا تقدير خاطئ، لأن لبنان دولة معروف أنها صغيرة المساحة، وهي منطقة تشهد كثيراً من الأحداث الملتهبة.

افتراضات خاطئة

وأشار السفير أبوبكر إلى أن الخارجية، سبق أن خاطبت الداخلية لإعادة النظر في السفر لدولة سوريا وذلك من باب  النصح والحرص على سلامة المواطنين، وقدمنا مقترحات لترشيد السفر لسوريا خاصة فئة الشباب التي تستخدمها كمعبر للوصول لدول أخرى عبر الهجرة غير الشرعية.

وأضاف السفير أبوبكر في حديثه لـ(الصيحية) بأن الهجرة غير الشرعية تقوم على افتراضات غير صحيحة، وأصبحت من الظواهر المزعجة، وتسعى الأمم المتحدة، بل كل المجتمع الدولي لمحاربتها والحد منها، والسودان ضمن الدول الموقعة على الاتفاقية الإطارية الخاصة بتنظيم الهجرة.

ابتزاز واحتيال

 مشيرًا إلى أن السودان أصبح في السنوات الأخيرة يعاني من ظاهرة الهجرة غير المرشدة من دول الجوار، وهي هجرة تنطوي على كثير من المخاطر والأضرار التي تلحق بهؤلاء المهاجرين الذين يتعرضون للابتزاز والاحتيال من قبل عصابات الاتجار بالبشر والأعضاء  والمخدرات.

وأكد السفير أن هناك استجابة وتعاوناً كبيراً من قبل وزارة الداخلية لطلب وزارته للحد من هجرة الشباب بإدخالها بعض النظم والإجراءات لترشيد سفرهم، وتحديداً الهجرة إلى لبنان عبر الأراضي السورية.

وأكد السفير أبوبكر في حديثه للصيحة، وجود عدد كبير من السودانيين الذين كانوا مقيمين في سوريا وتسللوا  عبر الحدود في أعقاب الأحداث التي شهدتها، إلى لبنان، إضافة لعدد كبير من المهاجرين الذين جاءوا متسلليين بطريقة غير شرعية، مبيناً أنه رغم ذلك أن السلطات اللبنانية ظلت تتعاون مع السفارة السودانية بطريقة جيدة وتسهل إجراءاتها لتوفيق أوضاع هؤلاء المواطنين رغم عدم شرعية وصولهم لأراضيها وتشجيعهم للعودة الطوعية للإسهام في الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

 مضيفاً: ونحن كوزارة خارجية نقدر ظروف دولة لبنان وهي بلد صغيرة المساحة ولديها ظروفها الخاصة، وتستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، ولديها قانونها الخاص بالهجرة، مؤكداً أن الدخول للبنان عبر الحدود السورية تحفه كثير من المخاطر.

تشجيع وإعفاء

وأوضح السفير أنه من خلال متابعتهم لأوضاع السودانيين الموجودين في لبنان أن هناك ما بين (20 ــ 30) سودانياً يدخلون السجون اللبنانية أسبوعياً بسبب مخالفتهم قانون الهجرة في لبنان، وقال إن السفارة نجحت في مساعيها بإعفاء السودانيين المخالفين لشروط الإقامة من الغرامة البالغة (440) دولاراً، وذلك تشجيعاً لهم على العودة الطوعية، مشيراً إلى أن ميزانية السفارة لا تتضمن منح هؤلاء المخالفين الراغبين في العودة تذاكر سفر، فهي تتواصل مع ذويهم لتوفير قيمتها في حال عدم مقدرتهم على توفيرها تلجأ لجمع التبرعات من الخيرين، وهذا ما أكده السفير السواداني بلبنان لـ”الصيحة”.

تعنت

وفي حال عدم استجابة المهاجر للعودة للبلاد وإصراره على البقاء بطريقة غير شرعية، بهذا يكون عرضة لأن تتعامل معه السلطات وفق قانون الهجرة.

 وعزا أسباب تعنّت بعض المهاجرين وإصرارهم على البقاء في الأراضي اللبنانية لاعتقاد بعضهم بأنه سيحصل على فرصة إعادة توطين، لكن هذه الفرصة ليس من السهل الحصول عليها.

ونبه السفير أبوبكر الشباب، إلى عدم وجود مسمى في قانون الهجرة في كل الدول ما يعرف باللجوء  الاقتصادي، رغم أن غالبية أسباب الهجرة غير الشرعية هي اقتصادية، وعلى الشباب أن يسلكوا الطرق الشرعية للهجرة، مبينًا أن هناك دولاً تتيح الهجرة النظامية لمن يستوفي شروطها، وبعض الدول تبحث عن مهنيين وكفاءات، لذلك على الشباب أن يدركوا أن دولتي لبنان وسوريا ليستا مناطق يقصدها طالبو الهجرة الاقتصادية، كذلك عليهم أن يطلعوا على قانون الهجرة في الدول التي يقصدونها، قبل الوصول إليها، وعليهم احترام قوانين هذه البلاد، حال وصولهم حتى لا يقعوا ضحية لمخالفة قانون الهجرة والإقامة في الدول التي تستضيفهم.

وختم السفير حديثه بأن طريقة تعامل السودان مع اللاجئين تختلف عن بقية الدول، إذ لا يوضع اللاجئ في معسكرات لجوء، ولا تقيد حركته، الشيء الذي جعله يتحرك بحرية، ونجد كثيراً من اللاجئين يذوبون أو يندمجون في المجتمع السوداني.

محكومون بالمؤبد

في اتصال للصحيفة بسفارة السودان في بيروت، بالسفير علي الصادق، للوقوف على تفاصيل القضية، هناك قال إنهم لا يملكون إحصائية دقيقة لأعداد السودانيين الموجودين في السجون اللبنانية، بسبب أن هناك من يقضي فترة العقوبة، ويغادر البلاد، لكنه عاد للقول بأن عدد السودانيين الذين يدخلون السجون اللبنانية بسبب مخالفتهم قانون الهجرة، يتراوح في الوقت الراهن ما بين (25 إلى 40) شخصاً شهرياً، أما المسجونون بجرائم أخرى وليست لها علاقة بالدخول والوجود غير الشرعي فلا يتعدون الستة أو السبعة أشخاص، منهم محكومان بالمؤبد لإدانتهم في جرائم قتل.

وأكد السفير الصادق بأن تصنيف الغالبية العظمى من المهاجرين السودانيين الموجودين في لبنان من المهاجرين الاقتصاديين الباحثين عن فرص للعمل علماً بأن لبنان تنعدم فيها فرص العمل حتى للبنانيين أنفسهم دعك من القادمين من الخارج، وفوق هذا فإن غالبية السودانيين القادمين للبنان بحثاً عن وضع اقتصادي أفضل، لكنهم أشخاص غير مؤهلين لا يحملون أي درجات علمية، تمكنهم من الالتحاق بأي وظيفة في بلد يضيق فيه سوق العمل حتى على مواطنيه.

اختيار غير موفق

وقال إن  دوافع الهجرة هي البحث عن عمل أو حياة أفضل، ومن خلال تجربتي العملية في السفارة بلبنان أن غالبية السودانيين القادمين إليها يتخذونها معبراً لدول أخرى في أروبا أو أمريكا أو كندا بمعنى أنها  تعتبر نقطة انطلاق لدول أخرى ذات وضع اقتصادي أفضل، وحتى في اختيارهم لبنان كمعبر غير موفق بأن يختاروا بلداً لا يجدون فيه العناية، لأن لبنان بلد الاهتمام فيه أكثر بالوجود السوري والفلسطيني، وحتى مكاتب اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تهتم باللاجئين السوريين في المقام الأول، وطلبات الجنسيات الأخرى للجوء لا ينظر فيها أبداً، إلا في حالات نادرة، وهذا ما تكشّف لنا من خلال متابعتنا في السفارة، وجدنا أشخاصاً تقدّموا بطلب لجوء أو إعادة توطين قبل عشرة أعوام ولم ينظر فيه، ولم تتم الاستجابة لهم ولا زالوا في الانتظار.

تبصير وتوعية

 دور السفارة في هذه القضية، أنها تقوم بتبصير المواطنين القادمين للبنان والجالية بأهمية توفيق الأوضاع باستكمال كافة إجراءات الوجود الهجري، بأن يكون مشروعاً قانونياً، ويحمل إقامة حتى لا يتعرض للوقوع تحت طائلة القانون اللبناني الذي يحظر الإقامة غير الشرعية.

 نحن لدينا نادٍ سوداني في لبنان تُقام فيه نشاطات الجالية الثقافية والرياضية، وتتخذه السفارة منبراً لتبصير الجالية بأهمية العودة للوطن وإقناعهم بأن فرص العمل متوفرة أكثر مما هو موجود في لبنان. وهذا التبصير معني به المهاجرون غير الشرعيين خاصة الذين صعب عليهم الحصول على توطين في بلد آخر عبر مكاتب الأمم المتحدة، وعلى ضوء هذا نحن في السفارة وضعنا برنامجاً سميناه العودة الطوعية، وكل سوداني أحس بأن لبنان لم يعُد بلداً مفيداً له، نحن بدورنا نتصل بجهاز الأمن العام، وهو قسم من الشرطة اللبنانية يتولى شؤون الهجروة والأجانب، وهم متعاونون معنا، وأي سوداني يرغب في العودة يتم إعفاؤه من غرامات كثيرة ودون أن يتعرض لعقوبات مخالفة الهجرة، ويتم منحه تأشيرة الخروج.

 برنامج العودة الطوعية، الذي صمّمناه راعينا فيه أن المُغادر لا يدفع أي أموال حتى التذكرة السفارة استطاعت بعلاقاتها مع بعض الجمعيات الخيرية والمحسنيين أن توفر تذكرة لكل شخص يرغب في المغادرة بصورة نهائية.

تواصل

 للسفارة علاقة تواصل جيدة مع كافة أفراد الجالية وتزورهم بصورة دورية في كل مناطقهم، وتشارك في مناسباتهم حتى الاجتماعية، ونسعى لنرسّخ لديهم مفهوم أن السفارة وُجِدت لخدمتهم وتسهيل أمور أقامتهم في لبنان، وتقديم كل ما في وسعها بأن يكون وجودهم مريحاً ومفيداً.

ورداً على سؤال الصيحة، عن عدد الجالية الموجودة هناك، قال صراحة، ليست لدينا إحصائية بأعداد رسمية للسودانيين المقيمين في لبنان، يمكن أن نبني عليها، لأن العدد غير ثابت، فهو متـأرجح بين الارتفاع والانخفاض، لكن أعداد أفراد الجالية السودانية في لبنان يقدر ما بين (2000 ـــ 2500) شخص.

 وأشير هنا في إحدى المرات أعدنا للسودان خلال برنامج العودة الطوعية ألف مهاجر، وهذا لا يعني أن عدد الجالية انخفض لألف شخص، ليس كذلك، لأن هناك أعداداً كبيرة من السودانيين يصلون للبنان عبر سوريا بهجرة غير شرعية، وهذه واحدة من أكبر المشكلات التي نواجهها، لأن العدد الذي يعود يأتي بدلاً منه مثله أو مضاعفاً.

 ولمعالجة هذه المشكلة، خاطبنا وزارة الداخلية للحد من سفر السودانيين لسوريا لأسباب قد تكون مقبولة لجهات منح التأشيرة، لكنها في الحقيقة خلاف ذلك.

وزارة الداخلية

    وكان لابد من طرح هذة القضية الهامة على  وزارة الداخلية ممثلة في إدارة الجوازات والهجرة، وبالفعل اتصلت الصحيفة على الفريق ناصر الكباشي المسؤول عن هذه الدائرة لمعرفة جهود الشرطة ودورها في الحد من الظاهرة، وكيفية التعامل معها، ولكن للأسف الشديد لم نجد أي استجابة بالرغم من اتصالاتنا المتكررة طيلة الأسبوع الماضي.

مقالات ذات صلة

إغلاق