رحّب بها الرئيس البشير الحلول السلمية بعيون “الجميلة ومستحيلة”

الخرطوم: مريم أبشر

دخلت حاضنة النخب السودانية على مر العقود بتميزها واحتكارها بلا منازع قادة الفكر والتميز، “الجميلة ومستحيلة”، إلى حلبة ماراثون الحل السياسي للأزمة الطاحنة التي طوّقت البلاد، وأصبحت عصية على الحل، وألقت جامعة الخرطوم أمس الأول بثقلها في وضع تصوّر أكاديمي خطه نخبة من خيرة أكاديمييها عبر مبادرة مكتوبة دفع بها أعضاء لجنة مبادرة منبر جامعة الخرطوم للسياسات والحوار، للرئيس عمر البشير، يتقدمهم مدير الجامعة البروفيسور أحمد محمد سليمان، وتتضمن رؤية أولية تتصل بالأحداث التي تحيط بالبلاد والحل السلمي المتصل بالانتقال السلمي للسلطة.

ترحيب رئاسي

وبادر الرئيس البشير، أساتذة جامعة الخرطوم وبروفيسوراتها بترحيب يليق بقامة وقيمة عصير أفكارهم التي صاغوها في نقاط محددة رأوا أنها مفاتيح للحل الشامل للمشكلات السودانية التي تراكمت منذ الاستقلال وحتى الآن، وقبِل البشير مبادرة المنبر ووعد بدراستها، وامتدح الدور غير المنكور لأستاذة جامعة الخرطوم عبر الحقب.

التداول السلمي

رئيس المنبر البروفيسور عبد الملك محمد عبد الرحمن، قال إن المبادرة تستند في الأساس إلى النقل والتداول السلمي للسلطة في البلاد، وبرغم تمسّكه بعدم الكشف عن محتوى المبادرة التفصيلي، لكنه أوضح أنها تتضمن أيضاً دراسة لكل القضايا المهمة الأخرى التي تعاني منها البلاد عبر تشكيل المنبر لعدد من اللجان لدراسة القضايا والمستجدات المهمة الأخرى. واعتبر أن جامعة الخرطوم وانطلاقاً من مسؤوليتها تجاه البلاد ترى أن الوطن لا يمكن أن يتقدم إذا لم يحدث  فيه استقرار سياسي، وأكد استعداد الجامعة للمساهمة دون تأنٍّ في كل من شأنه النهوض بالبلاد.

ملامح المبادرة

مبادرة منبر جامعة الخرطوم تتسق في مجملها مع الإرث الحضاري لشعب السودان وتقاليده السياسية العريقة، ومع الطابع السلمي للاحتجاجات الشعبية منذ تفجرها نهاية العام الماضي، وتركز المبادرة في الأساس على أن الأزمة السياسية والاقتصادية الطاحنة التي ظلت تتفاقم عبر سنين وعقود، لن تزول دون نظام سياسي جديد، وسلطة انتقالية تحظى بقبول جميع السودانيين، تُعبّر عن تطلّعاتهم وترقى لتضحياتهم الجسيمة ونضالهم من أجل الحرية والعيش الكريم.

 واعتبرت المبادرة الانهيار الاقتصادي الماثل عرضاً لمرض مزمن بلغ ذروته في ظل الحكومة الحالية من خلال جملة أخطاء أبرزها انتهاج سياسة التمكين وليس انتهاء بفصل جنوب السودان الذي انقطع بموجبه مورد هام للاقتصاد السوداني هو البترول، فضلا عن استشراء الفساد وتعمّقه في مفاصل الاقتصاد الرئيسية.

ويرى أصحاب المبادرة أن الهبة الشعبية غير المسبوقة يجب أن تكون سانحة للدفع إلى المقدمة بأجندة وطنية حقيقية بإجماع كل السودانيين حتى يتمكن السودان من تجاوز الأزمة وتحقيق استقلاله الحقيقي واللحاق بركب الأمم عبر جملة من خطوات الحل السلمي المتمثلة في الشروع الفوري في تكوين هياكل سلطة انتقالية بإجماع السودانيين تقوم على مبادئ فصل السلطات، ويسهم فيها الخبراء وتستمر لحين وضع دستور دائم مع نهاية الفترة، بجانب إنشاء جسم سيادي يمثل أقاليم السودان الستة مع وضعية خاصة للنيل الأزرق وجبال النوبة، على أن يقوم المجلس السيادي الانتقالي بتشكيل حكومة انتقالية من كفاءات متفق عليها ومشهود لها بالنزاهة والحياد في أداء الواجب عبر آلية تشاورية مناسبة لا تستثني أحداً تشمل المهنيين والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني وقوى التغيير وبتمثيل مقدر للأقاليم وفقاً لمعايير عادلة شفافة، وتصبح هذه الآلية تلقائياً المنبر الدستوري الذي يتولى مهام التشريع والرقابة خلال الفترة الانتقالية في نطاق الصلاحيات الدستورية، وتتولى الحكومة الانتقالية ترتيبات السلام ومعالجة آثار الحرب، فضلاً عن تسوية المسائل السياسية عبر مخاطبة جذور الأزمة ووضع ترتيبات السلام المستدام، ويوكل للحكومة برنامج إسعافي متفق عليه لكل الملفات من إنعاش اقتصادي وإعادة حياة للخدمة المدنية مع ضمان مهنية وقومية القوات المسلحة والأجهزة الأخرى، مع الاهتمام بمناطق الهامش وتطبيع العلاقات الخارجية بما يخدم مصالح الوطن، فضلاً عن رفد الحكومة الانتقالية بالخطط والبرامج الإسعافية عبر آلية تشاورية.

استحقاقات انتخابية

مبادرة جامعة الخرطوم، لم تهمل أهمية الإعداد الجيد لانتخابات شاملة بالبلاد بعد انقضاء الفترة الانتقالية تقوم الحكومة بتهيئة المناخ لها وتوفير مواردها المالية وأطرها التشريعية، بجانب العمل لتضميد الجراح وإعادة المفصولين ورد الاعتبار من خلال تكوين مفوضية تختص بالعدالة والتحقيق في التجاوزات من فساد وجرائم.

فرصة مواتية

واعتبر الناطق باسم جامعة الخرطوم وباسم منبر المبادرة د. عبد الملك النعيم في حديث لـ (الصيحة) أمس، أن كل فرص النجاح متوفرة لمبادرة أستاذة جامعة الخرطوم، لجهة أنها موضوعية وقابلة للتنفيذ لما تضمنته من قيام حكومة انتقالية من كفاءات تمتد لأربع سنوات دون انقطاع، مما يمنح كل القوى السياسية الفرصة الكافية لتهيئة ملعبها والتحضير الجيد لنفسها، فضلاً عن تكليفها بوضع معالجات للأزمة الاقتصادية، مع الأخذ في الاعتبار أن الجامعة دفعت خلال الفترة الماضية بجملة توصيات لرئيس مجلس الوزراء السابق معتز موسى تضمنت رؤية شاملة لمؤتمر أركويت الذي عقد قبل ثلاثة أشهر، مما يعزز أيضاً فرص النجاح، وأشارت إلى أن تعديل الدستور يجب أن يقتصر على الدورات الرئاسية فقط، وهو ما وجد القبول عند الرئيس عندما أعلن وقف التعديلات، ومضت المبادرة بتأكيدها ضرورة إتاحة الحريات وتحقيق العدالة والمساواة ومحاسبة الفساد عبر برنامج عملي.

وأضاف النعيم أن الرؤية معقولة ومقبولة، وأن الجامعة ستواصل عملها عبر لجان متخصصة شُكّلت لمناقشة كل البنود.

اتفاق الرؤى

عدد من الأكاديميين والسياسيين، أشاروا إلى أن مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، مع تقدير مكانتها العملية، إلا أنها لا تخرج عن الإطار العام لجملة من المبادرات المطروحة على منضدة الوطن الكبير، وتهدف في الأساس لإيجاد حل سلمي ناجع للأزمة التي قعدت بالبلاد وأوصلتها للمحطة الصفرية.

ويعتقد الأستاذ الجامعي، والمحلل السياسي البروفيسور عبده مختار موسى، أنها تشكل خارطة طريق للحل السلمي الشامل، أبرز ملامحها فترة انتقالية وحكومة كفاءات يرأسها البشير وتضم  تمثيلاً نسبياً لكل الكيانات السياسية السودانية وعلى رأسها تجمع المهنيين مفجر الاحتجاجات.

وقال مختار لـ (الصيحة) أمس، إن إنفاذ مبادرات الحل السلمي بما فيها مبادرة جامعة الخرطوم، برغم ترحيب الرئيس الذي وصفه بالدبلوماسي لجهة المكانة العملية للأساتذة ووعده بدراستها، تتطلب تنازلات حقيقية، وأن يكون الرئيس كما وعد في خطابه في منطقة متساوية من الجميع.

بيد أن البروفيسور عبده يرى أن الحكومة حتى الآن ترفض مبدأ التنازل وقيام حكومة كفاءات انتقالية يشارك فيها الجميع ليست لها علاقة بالأحزاب- وفق إفادته.

النفق المظلم

وحذّر البروفيسور عبده مختار من مغبة الاستمرار في تجاهل الأزمة وعدم الإسراع في حلها بشكل عاجل، ودق ناقوس الخطر في حال استمر نهج الاعتقالات، ورأى أنه إذا لم تستعجل خطوات الحل، فإن البلاد ستدخل في نفق مظلم، كما طالب مختار بتشكيل لجنة قومية علمية تعكف على دراسة المبادرات وتلخيصلها في مبادرة واحدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق