رئيس لجنة الشكاوى بمفوضية حقوق الإنسان بروفيسور أبو القاسم قور لـ(الصيحة):

السودان تعرّض لإذلال (بشع) بسبب ملف حقوق الإنسان

المؤسسات الوطنية (الحقوقية) دورها رقابي واستشاري

هنالك جهات خارجية تُمارس الإرهاب الحقوقي ضد السودان!

الدولة تنتهك حقوق الإنسان بدون معرفة أو قصد!!

هنالك من يُوظّف ملف حقوق الإنسان ضد الدولة

إذا كانت هذه الحكومة حكومة كفاءات عليها فعل (هذا)

أصبحت عبارة حقوق إنسان، في معظم الأحيان يتم فهمها خطأ من بعض الجهات الحكومية وأحايين كثيرة يستهزأ بها من غير العارفين معنى حقوق إنسان.

 أما مفوضية حقوق الإنسان وباعتبارها المؤسسة الوطنية المعنية بمراقبة ونشر وحماية وتعزيز حقوق الإنسان في السودان، فإنها تقول عن نفسها إنها جهة رقابية غير قضائية أو تنفيذية، ولكنها تستطيع عبر لجنة الشكاوى أن تجبر الضرر، وفقا للإجراءات السليمة. هذا فضلاً عن كتابة التقارير التي تتعلق بحالة حقوق الإنسان ورفعها للجهات الدولية، بينما واجهت المفوضية مؤخراً انتقادات واسعة بعد إعلان حالة الطوارئ، وقتل بعض المتظاهرين جراء استخدام القوة المفرطة من قبل أجهزة الحكومة، ولكنها أكدت أن كل القضايا لديها حاضرة،  سيما وأنها قامت برصد كل تلك الانتهاكات التي رفعتها للجهات المختصة للفصل فيها.

فيما يلي يكشف رئيس لجنة الشكاوى بالمفوضية القومية، البروفيسور أبو القاسم قور حامد، خلال حواره مع (الصيحة)، الجانب الآخر لحقوق الإنسان.

حوار: النذير دفع الله

*ماذا تعني المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان؟

–  هي واحدة من الأشياء المهمة، لأن كثيراً من المؤسسات لا تعلم كيف تم إنشاء هذه المؤسسات. وحسب الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، فإن كثيراً من الدول توقّع وتصادق على الاتفاقيات والبرتكولات المختلفة، ولكنها لا تقوم بالتطبيق، لذا  ولما كانت الأمم  المتحدة، لا تستطيع أن تًراقب كل هذه الدول، اقترحت مشروعاً اختبارياً، هو أن الدول نفسها تنشئ  مؤسسات حقوقية حتى تقوم بالرقابة الداخلية، فكانت فكرة المؤسسات الوطنية تجريبية.

*ما هو موقف الدول من هذه المؤسسات؟

–  إذا كانت الدول بها جهاز قضائي وقانوني وعدلي يقوم بصون وحفظ حقوق الإنسان، تصبح المؤسسات الوطنية نافذة  للحقوق، مما يعني أن الأصل في حقوق الإنسان من ناحية حمايتها وصيانتها، هي مؤسسات الدولة، ثم تأتي من بعدها المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان كفكرة مقترحة عالمياً شيئاً تكميلياً.

*إذن ما هو الدور الحقيقي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان؟

 –  المؤسسات الوطنية دورها الأساسي رقابي واستشاري، وهي ليست درجة من درجات التقاضي، وليست سلطة قضائية أو تنفيذية أو تشريعية. ويشترط أن يُختار لها من هم أكفاء في هذا المجال، وخبراء ومستقلون ومحايدون وحتى يكونوا مستقلين ومحايدين لابد أن تنطبق عليهم (مبادئ باريس) التي تنص على انه لابد من احترام التعدّد واحترام الاختلاف والتنوّع، وهو ما يجبر أو يلزم أن تكون المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في أي بلد أن نرى فيها كل التنوع الثقافي والإثني والديني وإيدلوجيا وفكري وجندر، وهو ما يُسمّى بالتمثيل الجماعي،  ولابد أن تعمل محايدة ومستقلة، وتقوم بإنشائها الدولة.

*البعض لا يعرف الوصف الحقيقي للمفوّض داخل المفوضية؟

– عضو المفوضية الذي يسمى مفوضاً، يجب أن يكون كفؤاً وخبيراً وله ثقة في نفسه، ومعرفة كاملة بهذا المجال على المستويين الوطني والإقليمي والدولي، وأن يكون مستقلاً ومحايداً، وإذا لم يكن واثقاً في نفسه، فلن يفيد الدولة أو حقوق الإنسان في شيء، وأن يكون واضحاً وقارئاً من الذين تلقوا تعليماً في هذا المجال.

 وحقوق  الإنسان ليست القانون،  وإنما القانون يحمي حقوق الإنسان.

* إذاً، ماذا تراقب المفوضية القومية لحقوق الإنسان؟

– المفوضية تقوم بمراقبة وثيقة الحقوق الموجودة داخل الدستور، لأن الدولة لا ينبغي لها أن تنتهك الحقوق الموجودة في الدستور مهما كانت المبررات، وأن الحقوق ليست سودانية، وإنما هي “الشرعية” الدولية، ولأنها تجمع الشرعة الدولية  للعهد العالمي للحقوق المدنية والاقتصادية، والحقوق الاقتصادية موجودة في معظم دساتير الدول المصادِقة عليها.

* ما هي فائدة وجود هذه الوثيقة في دستور السودان؟

– يعني أن الدولة أو الحكومة السودانية رضي الساسة أم لم يرضوا أن السودان  معترف بالحقوق وبالمقاربة الدولية الموجودة في حقوق الإنسان للعالم، وأن العالم كيان واحد، وأن أمن وسلامة وكرامة الإنسان هي مسؤولية الجميع، وأن السودان واحد من هذه المجموعة، رغم انف الجميع، وعليه أن يقوم بالتزاماته كاملة.

* واقعياً أين هذه الحقوق حالياً من كل القوانين والتشريعات؟

– لم تعُد حقوق الإنسان دائماً مُصانة، وظلت على مر العصور تتعرض لانتهاكات، وهذا ليس غريباً، وليس على مستوى السودان، وإنما في كل العالم منذ القرن الثاني عشر الميلادي عهد (الماجنا كارتا)، وهي أول وثيقة حقوق، ومنذ الوثيقة الذهبية الفينلندية في القرن السادس عشر، وظل العالم في نهاية القرن الحادي والعشرين يتعرض لظلم كبير.

* هل يعني أن السودان لا توجد به انتهاكات لحقوق الإنسان؟

– لو نظرنا للسودان، فإنه أفضل بكثير من غيره، ولكن إذا قلنا إنه لا توجد انتهاكات لحقوق الإنسان في السودان، نكون كاذبين، ولكن هل هذه الانتهاكات تتم عن قصد ودراية؟ وهو ما يجعل مهمتنا هي توعية الدولة ومؤسساتها وكياناتها بقضية حقوق الإنسان لأنه في كثير من الأحيان مؤسسات الدولة تقوم بانتهاك الحقوق، وهي لا تعلم، وهو دور المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان أن تقوم بالتدريب والتوعية ونشر ثقافة الحقوق.

* ما هي أوضاع ملف حقوق الإنسان في السودان؟

– ملف الحقوق في السودان معقّد وشائك، وهو الأساس لما يحدث في السودان، لأن هناك ثلاثة مسارات، منها الآيدلوجي، وهو يقوم به خصوم الدولة، أو المعارضون يأخذون حقوق الإنسان في أيديهم ويستخدمونه ضد الدولة، ومسار علمي تقوم به المؤسسات الوطنية، ومسار أكاديمي وفلسفي يدرس في الجامعات. وحقوق الإنسان في السودان، أصبحت واحدة من أدوات الضغط على الحكومة، إذا كان من المعارضة الداخلية أو المجتمع الدولي، وهي أول نقطة قادت لتعقيد ملف حقوق الإنسان بطريقة صعبة، حتى دخلنا في بند الإجراءات الخاصة، وخبير مستقل وأكثر من عشرين عاماً، ولكن بصفتي خبيراً في حقوق الإنسان وعضو مفوضية، فإن الملف فيه مظلمة كبيرة للسودان، ونحن من ساعدنا في هذه المظلمة من العلماء والعارفين، كان ينبغي لنا أن نسعى لتصحيح هذا المسار، لأن الدولة لا تفكر بنفسها، يفكر لها العلماء والخبراء والناس، عندما يقع الساسة الكبار والحكومة في خطأ حقوق، هذا ليس خطأهم وإنما غلطة أجهزتهم الاستشارية التي يُفترض أن تنصحهم.

* ما هي الخسارة التي وقعت على السودان من تلك الأخطاء؟

– السودان تعرّض لأكبر وأبشع أنواع الإذلال بسبب ملف حقوق الإنسان، ومعظمه تدليس، لأن شكوى حقوق الإنسان بالغة التعقيد، ولكي تُقبل الشكوى في الأجهزة واللجان المختصة والآليات الدولية الخاصة بها في الأمم المتحدة، هي غاية في التعقيد، هنالك شروط كثيرة يجب أن تستوفيها الشكوى، منها التقاضي الوطني، وتوقيع الدولة ومصادقتها على الاتفاقية المحدّدة، ومنها التاريخ والتحفّظات، ومن هو كاتب الشكوى، وما هو الفرق بين الشكوى والمذكرة؟ لذلك ظلت قضية حقوق الإنسان تأخذ شكل الشكاوى ثم يخلق لها (راو) كبير في المحافل الدولية، وتُسبِّب إرهاباً للدولة السودانية، ولكن أعتقد أن هنالك جهات تُمارِس الإرهاب الحقوقي على السودان.

* حقوق الإنسان في السودان في ظل قانون الطوارئ؟

– تحدث الناس كثيرًا عن حالة الطوارئ، ولكن حالة الطوارئ منصوص عليها شرعياً، وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن حق الدولة إذا أحسّت بأي تهديد للناس من الحق في الحياة والممتلكات والاقتصاد، عليها أن تضع قانوناً للطوارئ، ولكن علمياً إذا كانت الحياة طبيعية عليها أن تُطبق كل حقوق الإنسان. أما من ناحية ثالثة، وهي في حالة الطوارئ عليها أن تُطبق ما يمكن تطبيقه من حالة حقوق الإنسان، وأيضا النزاع المسلح داخل الدولة تطبق القانون الدولي، إضافة للبرتكول الثاني من اتفاقية جنيف.

 أما النزاع بين الدول، فيطبق القانون الدولي الإنساني، إضافة لاتفاقيات جنيفا الأربع، وقانون اللجوء.

* كيف هي وضعية حالة حقوق الإنسان في هذه الظروف؟

– المُراجع للعهود الدولية، يجد أن حالة الطوارئ منصوص عليها في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

* ماذا تعني حالة الطوارئ من ناحية حقوقية؟

– تعني أن الدولة قد أخذت حقّين أصيلين على عاتقها وهي الحق في الحياة،  وهو حق أصيل ودونه تسقط كل الحقوق، وحق السلامة، بمعنى في حالة الطوارئ إذا تمت أي جريمة أدت إلى وفاة أو قتل، على الدولة أن تقوم بواجبها فوراً، وهي التحقيق ومعرفة الجاني وتقديمه للمحاكمة الناجزة فوراً، وإن لم تفعل ذلك فنحن في مجال حقوق الإنسان نرصد ونقول إن الدولة قد انتهكت حقوق الإنسان، وكذلك جريمة السطو، على الشرطة أن تعرف الجريمة، وتصل للسارق حتى تكون الدولة قد قامت بواجبها،  وهذا يعني أن حالة الطوارئ هي مسؤولية الدولة، وليس فقط علّقت أو ضيّقت بعض الحقوق، وإنما وضَعت حق الحياة والسلامة على عاتقها.

* دور المفوضية تجاه المعتقلين ضمن الطوارئ؟

– إذا قامت الدولة بإعلان الطوارئ ونفذتها جيّداً وأعلنت عنها، وقام أي شخص باستغلال حالة الطوارئ، وقبضت عليه الدولة، في هذه الحالة لا يُمكننا كمفوضية أن نقوم بالدفاع عنه، لأن الدولة هي المسؤول الأول عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان بإمكانها أن تتهمك بخطاب كراهية أو التحريض بقدر ما هنالك مادة في العهد الدولي تعطيك الحق في التعبير والحرية والتجمّع السلمي، نفس هذه المادة أعطت الدولة حق أن تضع على كل تلك الحقوق ضبطاً، لذلك علينا أن نرى الجانب الآخر، ومن حقك أن تعبّر عن رأيك، ولكن في حالة انتقال رأيك للآخرين، على الدولة أن تضع التحفّظات.

* هل الأحزاب والجماعات استغلت حالة حقوق الإنسان لصالحها؟

– هنالك من يوظف ملف حقوق الإنسان ضد الدولة وهي قد أضرّت كثيراً بملف حقوق الإنسان، نسبة للمعلومات الخاطئة، وكثير من الملفات التي تأتينا وعند فحصها نصل إلى اللا شيء، بمعنى أنه لا يحق لأي حزب، أن يأخذ قضية أي شخص ويذهب بها للمحافل الدولية، ولكن داخلياً يحق له ذلك، وعندما تنتهك الدولة حق مواطن، نحن نكتب لها، وهي تعتذر بأن هنالك موظفين قاموا بذلك، وألقينا القبض عليهم وتقوم بجبر الضرر  داخلياً، أما الآليات الدولية فتصلها الشكوى بعد استنفاد كل التقاضي الوطني.

*هل دائرة الشكاوى لديكم تتابع القضايا حتى نهايتها أم تكتفي بإرسال خطابات فقط؟

– أنا في دائرة الشكاوى منذ العام 2013م، وهنالك قضايا كبيرة جداً تم فيها العفو من قبل رئيس الجمهورية بقرار جمهوري، وعلى النقيض، فإن أجهزة الدولة لا ترد على بعض الشكاوى، نحن نخاطب، وهم لا يردون، ولكن الجهة الوحيدة التي تتعامل معنا باعتبارية هي جهاز الأمن والمخابرات، وللأسف بعض الوزارات تعتمد سياساتها دون أن تكون بنود حقوق الإنسان ضمن خطتها، لأن الدولة هي المسؤولة عن الحقوق، وحقوق الإنسان هي جهة المقاربة للدولة الحديثة دولة الحقوق، وكل جهاز في الدولة مسؤول عن الحقوق حسب التخصص، ولكن للأسف مؤسسات الدولة (ما عارفة أي حاجة).

*إذاً، هل يمكن  لحكومة الكفاءات أن تقوم بهذه الخطوة؟

– إذا كانت فعلاً حكومة كفاءات، عليها أن تضع سياسات الدولة بناءً على حقوق الإنسان، منها الاقتصاد والثقافة، وهي قضية كبيرة جداً، الكثير من المسؤولين يعتبرون أن حقوق الإنسان هي منظمة فقط، وإذا لم يعرفوا ذلك يمكنهم الاستعانة بنا لنضع لهم خطة مبنية على الحقوق، بالنسبة للحق في التعليم، هل وضعت وزارة التعليم العالي الحق في ديمقراطية وحرية التعليم بناءً على ديمقراطية البحث العلمي، وهل وضعت منهج حقوق الإنسان ضمن واحدة من مقررات التعليم للجماعات والمؤسسات الخاصة؟

مقالات ذات صلة

إغلاق