دوي الصيحة

الخروج من صحراء التيه..!

ستنجلِي الصورة بعد أيامٍ، ويستبين الوضع كاملاً، بعد أن تحتوي الأجهزة الأمنية والعسكرية محاولات الاعتصام بشكل كامل، وهذا يدعو كل الأطراف التوقّف عند  ما حدث وقراءته قراءة دقيقة، واتخاذ ما يلزم حياله وما نتج عنه وترتّب عليه، وهي تجربة ثقيلة على طرفيْها الحكم والمعارضة، إذ لم تحقّق المعارضة هدفها بإسقاط السلطة القائمة، وعرفت الحكومة مَواطِن الاختلال والضعف عندها وفي مقدمتها نمط وطبيعة الأداء السياسي وأدواته، وكيفية مُعالجة القضايا المتعلّقة بالمواطنين والاختناقات الاقتصادية التي تُوفّر في كل حين بيئة مواتية للعمل المعارِض وتُسهّل الاستقطاب .

الحُكم والمعارضة في حاجة ماسّة لابتكار طريقة أفضل للتفاهُم واستدامة السجال السياسي بينهما، فإذا كانت التظاهُرات والاعتصامات وسائل للتعبير عن المواقف وإيصال الرأي، فمن الواجب أن لا تفزع منها الحكومة إلا إذا كانت مَدعاةً للتخريب والتدمير وتمرير أجندات غير وطنية، مقابل ذلك، يجب أن تَفهم المعارضة أن دعواتها لإسقاط النظام القائم لا أساس لها، إلا إذا قامت على وسيلة التغيير الوحيدة والمُتاحة والمشروعة، وهي صناديق الاقتراع والانخراط في الانتخابات وخوض غمارها التنافُسي الشريف.

فأي تلكّؤ من المعارضة بكل أطيافها وأصنافها وطعومها ومذاقاتها من خوض الانتخابات وانتهاج نهجها الأوحد في تداوُل السلطة، هو نقطة ضعفها وسبب تراجعها في العمل المعارض. لا يمكن أن تكون لغة الشارع واحتجاجاته بديلاً عن نتائج صناديق الاقتراع، عملياً لا يسقُط النظام القائم عن طريق التظاهُرات والاحتجاجات، فإذا كانت المعارضة تثق في قُدرتها على تحريك الجماهير وتفعيل الشارع ومخاطبة المواطنين لتأييدها والوقوف في صفها، لماذا لا تختبر هذه القوة والوزن الجماهيري في العملية الانتخابية وتطرح نفسها بديلاً للسلطة الحالية في انتخابات تُراقَب دولياً ويُتّفَق على قانونها ومعاييرها وكيفيِّتها وميقاتها.

ما شهدته الخرطوم خلال الأيام التي تزاحمت فيها مشاهد الاحتجاجات والتظاهُرات والاعتصامات وإغلاق الطرق وحرق إطارات السيارات، ووضع الأحجار والمتاريس على الطرق، حتى داخل أزقة وطرقات الأحياء البعيدة ، لا تُحقّق للمعارضة أي انتصار يؤدي لسقوط الحكومة، لكنه يقود إلى حالة من الشد والضغط العام، يُلفت الانتباه إلى مطالب  المعارضين وأصواتهم، ولا ينفع في هذه الحالة إلا الاتفاق على قواعد اللعبة والركون إليها ثم الذهاب إلى المقياس الحقيقي، وهو رأي الناخب السوداني..

فالشعارات والتراشُق بها، وضوضاء الهتافيات مهما علت أو تطرّفت وما يُقابلها ويُجاريها، لن تصنع إلا مزيداً من الاستقطاب والاستقطاب المضاد، والعنف والعنف المضاد. في نهاية مخاض ذلك الوطن هو الخاسر، فالمطلوب هو خطابٌ مُتَعقّل وفعل سياسي متزن، وارتضاء من الطرفين بما يُحقّق المصلحة الوطنية، وليست الذاتية لكل طرف من طرفي الأزمة الراهنة.

أما كيف يتم ذلك، فالأبواب لا تزال مفتوحة بين الجانبين، والحكمة السودانية تظل حاضرة بين السودانيين تعصمهم من الانزلاق في أتون الخلاف الذي يُدمّر بلادهم ويُحوّلها إلى حريق ورماد، إذا تمت تدفئة الخطوط بين الحكم والمعارضة والاتفاق على قضايا محددة شملتها من قبل محاور وتوصيات الحوار الوطني،  وتضمّنتها خطابات رئيس الجمهورية الأخيرة، يُمكن للبلاد أن تجتاز وتعبُر صحراء التيه التي دخل فيها الجميع بلا جدوى.

 وهنا يبرُز دور العقلاء وأهل الفكر والرأي والكياسة والسياسة في قيادة دفة الحوار وتقديم المبادرات والمقترحات والأفكار البنّاءة التي تُحيل الخلاف إلى التقاء واتفاق، وخطاب الكراهية المُتنامِي حالياً إلى روح توافُقٍ وودٍّ بين السودانيين وما أحوجهم إليها.

مقالات ذات صلة

إغلاق