دوي الصيحة

وتراجعت المواكِب…

لم تعُد الاحتجاجات والتظاهُرات المُنحسِرة شيئاً مذكوراً لدى عامة الناس، تجاوزَتها الأحداث إلا ما يُنقَل ويُبَث في العالم الافتراضي في وسائل التراسُل الاجتماعي، والحديث عن مَواكب لا تُواكِب التطوُّرات السياسية الجارية في البلاد، تسبِق هذه المَواكب دِعاية مكثّفة على الفيسبوك،  ثم تتلاشى عند الموعِد المُحدّد، إلا من المجموعات التي تُشارك وهي تتنقّل من مكان إلى مكان في أحياء مُحدّدة لا تُعَد على أصابع اليد الواحدة..

 فهل السببُ هو حالة الطوارئ وتطبيق أحكام المحاكم على مُخالِفي قانونها، أم شيء آخر..؟ أم السبب الرئيس هو ذات العامِل الذي أسهَم في فشل التظاهُرات منذ اندلاعها في أيامها الأولى  بعزوف عامة الشعبِ عن الاستجابة والخروج لما انطوت عليه الحالة الثورية المُدّعاة من دعاية سوداء وأكاذيب وزيف وعبث سياسي..؟

الواضح الذي لا يَخفى على أحد، أن التظاهُرات تراجعت وتقهْقَرت من الشوارع إلى أزقة الأحياء وساحاتها الداخلية، ثم باتت محصورةً فقط داخل أسوار بعض الجامعات..

كل يوم يمُر تخمُد وتخبو نار الثورة  التي حاوَل اليسار وخاصة الشيوعيين والنشطاء القابعين في الخارج تسويقها وصناعتها من العدم، وكل ساعات تنقضي تتكشّف ملامح الفشل المُزري للقيادات السرية للتظاهُرات، وعجز الأحزاب السياسية التي حاوَلت أن تركب موجتَها اليائسة، تتدثَّر برمادِها ثورة اليسار ومن خُدِع بها بداية الأمر، وظنّها حراكاً شبابياً لا غُبار عليه، ثم اكتشف أن خلف غبارِها كان ثمة من ينتظِر قِطاف ثِمارها ليعتلي هامتها إن أصابها الظفر يوماً ما..

مُصيبة التحرّكات الشعبية الرافِضة للحكومات والأنظمة في بلادنا، أنها إما أن تستولِدها الأحزاب بمخاضٍ صعب، أو تستغلها الجوقة السياسية وتدّعي صناعتَها وتنتظرها عند المُنعَرج الحاسِم عندما تتأكّد من اقترابها لنقاط مِفصلية في حِراكها، لكن الجوقة السياسية من بعض التنظيمات من غير اليسار، والتي تزدحم في طرُقات العمل المعارِض هذه الأيام وتُنافِق التظاهُرات لا تتبيّن خطأ حساباتِها وخطل تقديراتها إلا بعد فوات الأوان، وبعضهم بدأ يبحث عن خطوط الرجعة ومسارب الخروج من وحل الأحلام الزائفة، بنجاح ثورة لم تكتمل حتى كجنين لتولُد مع الفجر الشاحِب.

مع كلِّ موكبٍ .. لم يتعلّم مُهندِسوه والدّاعون له الدروس، ولا عرَفوا كيف تكون المُقاربات والمُقارنات بالثورات الناجحة، فمثلاً ما يُسمَّى بتجمُّع المهنيين، لم يستطع استقطاب أية مجموعة مِهنية ذات أثر لتكون معه، ولا رأى الناس وشاهَدوا بأمّهات أعينهم القيادات المهنية والنقابية سواء أكانت الفاعِلة الآن أو السابقة، تنزل الشارع وتقود الثورة، فمجرّد بروز الفُقَّاعات الإعلامية في الفضاء الإلكتروني المُتاح لا تشحذ همة الثورة ولا تقدَح فتيل الانفجار الشعبي، لقد أحس الشعبُ في عُمق إحساسه وحسه السياسي المُتقدّم، أن الجعجعة التي لا تُخرِج طحيناً، غير مؤهّلة لإحداث التغيير..

لو علمت السلطات الرسمية منذ البداية أن مصير الثورة سيكون بيد الفاشلِين من  القيادات المُتخفِّية خلف الأسوار ومن وراء الحُجُرات وخلايا السيلكون وشاشات الهواتف الذكية، وفي بلاد البرد والصقيع، وبأيدي ثُلّة قليلة من القيادات الحزبية الناقِمة التي تُريد الفرقعات الإعلامية ومساقط الأضواء خاصة منسوبي الأحزاب الطائفية الهرِمة التي تظن أن القداسة السياسية ستسحَر الشارِع وتُحفّزه للانتفاض العارم، لو علمت السلطات ذلك من البداية لوفَّرت على نفسها وعلى عامة الشعب هذا الشد والجذب والاستعداد وتهيئة الشرطة وقواتها وأهبتها وجاهزيتها و(بمبانها)، ولما شهدت شوارِع بعض الأحياء مُطارَدات ومُواجَهات وضحايا وجرحى ومُعتقلات..

 عندما يُقال إن شبكة الانترنت ووسائل التواصُل الاجتماعي قدّمت للبشرية عالَماً افتِراضياً يعيش فيه الناس ويستمتعون بتجلّيات الحياة المُتَخيَّلة وواقعها السحري ذي البريق العجيب، فما لنا لا نشكُر زمرة الثوار الذين منحوا الخرطوم مشاهد واقعية تم تصويرها ووقائع صَنعَت عالماً افتراضياً تخيّله الكثيرون من السودانيين في مشارق الأرض ومغاربها وفي مهاجرهم، ثورة ستقلِب الأمور وتصنع واقعاً جديداً..

منذ متى كانت الأحلام المُسرِفة تمشي على قدمين… فإن مَشَت فهي قدمان من طين…!

مقالات ذات صلة

إغلاق