تهريب السلع الاستهلاكية ..ثقب في جدران الاقتصاد مهربون: العقوبات غير رادعة (والغرامة) مقدور عليها

خبير إستراتيجي .. لدينا  مشكلة مخزون ..وتهريب المواد الخام أجهض نمو الاقتصاد

المالية ..تتوقع المزيد من عمليات التهريب لضعف الإمكانيات

اقتصادي ..حماية الدولة من التهريب مسئولية الجمارك

الشرطة … الجهود مبذولة لتوفير الأجهزة والمعدات ولا بد من تعديل القانون

الجمارك .. بفضل قانون الطوارئ .تم تحجيم المهربين

يعتبر التهريب ظاهرة عالمية تعاني منها  كبريات الدول رغم قوانيها الصارمة و أنظمتها المحكمة، و تأثيره لا يكون كبيًرا على اقتصادها  ومخزونها الإستراتيجي بالصورة التى تحدث خللاً واضحاً فى الاقتصاد، إلا أن الوضع فى السودان يختلف تماماً فالتهريب ينعكس سلباً على الاقتصاد بصورة واضحة جداً.  ويرى الكثير من  الخبراء، على نقيض ما تسوّقه الجهات المختصة، عن وجود تهريب حقيقي لكثير من السلع الهامة والحيوية مثل (الوقود والدقيق) والتى دار حولها لغط كثير، تفاصيل كثيرة ومثيرة نكشفها  في سياق هذا التحقيق.

تحقيق : أم بلة النور

اعترافات

ولاية شرق دارفور واحدة  من المنافذ التي يتم تهريب السلع الإستراتجية والمواد الغذائية عبرها إلى دول الجوار حيث قال أحد التجار من ذات الولاية والذى يعمل بالتجارة بين الولاية و دولة جنوب السودان عبر منطقة سماحة، إن الأسعار بدولة الجنوب مرتفعة جداً والأرباح مغرية بالرغم من المخاطر التي قد يتعرض لها التاجر أثناء رحلته، ويعتمد في تجارته على المواد التموينية التي يحتاجها مواطن الجنوب نسبة للظروف التي يعيشها مواطن تلك الدولة والذى  يفضل السلعة السودانية دون غيرها، كاشفاً عن فرض عقوبات مالية على أي تاجر يتم القبض عليه وهى  عبارة عن 60 ألف جنية للشحنة، و 20 ألف جنيه للعربة و40 ألف جنيه للمواد المحملة عليها (غرامة) فهى مقدور عليها ويتم  استخراج مستندعدم تعرض لمواصلة الرحلة، وكشف التاجر عن عدم وجود نقاط ارتكاز شرطية و إنما توجد عناصر من أفراد القوات المسلحة والتي بدورها تقوم بتحويلهم إلى وكيل النيابة الذي يفرض الغرامة.

 الحدود الشرقية أيضاً ظلت منفذاً نشطاً للمهربين نسبة إلى قرب المسافات بينها وأرتريا أو أثيوبيا، حيث كشف للصيحة أن أحد التجار الذين يعملون في هذا المجال أن العمل لا يكون بصورة مستمرة، نسبة للحملات التي تنظمها الجهات المسئولة، والتي تفرض عقوبات مالية كبيره في حال القبض على الشاحنات. وقال إن هناك  نقاطاً معينة للأجهزة الشرطية، وأنها  تعمل بنظام التمشيط فقط. وكشف عن  أنهم يعملون في شكل مجموعات تحسباً من الوقوع في أيدي شرطة مكافحة التهريب، وفي حالة الوقوع في قبضتهم يقومون بدفع الغرامة والرسوم الجمركية لتقليل الخسائر، و يجتهدون فى المرة القادمة لكى  يتحصلوا على أرباح مضاعفة في أول رحلة تجارية قادمة. هذه نماذج ضئيلة للعمل التهريبى على المنافذ الحدودية.

مسؤولية الدولة

وفي حديثه لـ”الصيحة “، قال الخبير الاقتصادي  بروفيسور ميرغني بن عوف، إن حماية البلد من أي تهريب هي مسئولية الدولة ممثلة في  الهيئة العامة للجمارك إدارة مكافحة التهريب بكامل عتادها. ويرى ميرغني أن الحديث الذي يدور حول التهريب ليس صحيحاً ودلل على  ذلك بقوله إن  السلع الأساسية في جميع الدول المجاورة أقل سعراً من السودان، وأضاف أنه، وبحسب حديث رئيس مجلس الوزراء السابق، أن السلع تهرب للمعدنين وهذا لا يعتبر تهريباً باعتبار أنهم مواطنون ولديهم الحق في هذه السلع.

 ويرى ميرغني أن الدولة لا تعاني من تهريب للسلع الإستراتيجية خاصة المحرقات نسبة إلى أن دعمها منذ عهد بعيد دعم متقطع. وتساءل عن عدم  انخفاض أسعار   تلك السلع محلياً  عندما ينخفض  سعرها عالمياً؟  مستشهداً بسعر الوقود الذى توضع مؤشراته على محطات التزود بحسب السعر اليومي، إلا في السودان الذي لا يلتزم بالأسعار العالمية منذ ستينيات القرن الماضي، واستنكر حديث الحكومة عن جشع التجار فهو يرى أنهم متضررون أكثر من المواطن .

التلاعب بالسلع

وقال ميرغني أن هناك تجاراً بعينهم يتلاعبون بأسعار السلع الإستراتيجية، وتساءل  في حديثه لـ”الصيحة” (من الذي يهرب ؟) وأشار إلى أن الحديث عن تهريب الأدوية المنقذة للحياة غير صحيح لأنها محتكره من قبل الإمدادات الطبية وهى من يتحكم فى توفيرها وتوزيعها .

وقال ابن عوف إن التهريب في بعض الأحوال في النظام العالمي ميزة، و أنه فى  بعض الأحيان يكون  نتيجة  لتعنت  السلطات في منع تصدير المنتجات، كما أن  التهريب  الذي لا يتجاوز القوانين لا يكون مضراً ، وليس هناك مواطن عادي يهرب والأمر مقصود لزرع الفتن  بين المواطنين وخلق نوع من البلبلة.

السياسات الخاطئة

فيما يرى الخيبر الاقتصادي محمد الناير أن التهريب ليس السبب الأساسي في انعدام السلع الأساسية وإنما يعود إلى تراجع العملة الوطنية بسبب السياسات الخاطئة للدولة، وعدم وضع استراتيجية بديلة بعد انفصال الجنوب، بالإضافة إلى انعدام الحرية في التجارة مما يجعل التهريب الوسيلة الأمثل للكسب. وقال الناير إن التهريب له ارتباط بالأسعار في الدول المجاورة كلما ارتفعت تنامت الظاهرة  وتختفي بانخفاضها.

ضعف الرقابة:

فيما يري الخبير الإستراتيجي، عباس إبراهيم، إن السودان بالرغم من أنه يمتاز بموقعه الجغرافي والموارد المائية والأراضي الزراعية إلا أنه ليس لديه مخزون استراتيجي من السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطن، محدداً المواد البترولية والغاز بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية على الرغم من أنه مرشح إلى أن يكون سلة غذاء العالم و الآن هو من أكثر الدول التي تعاني من مشكلة الغذاء، مضيفاً أن التهريب يرجع إلى الحدود الواسعة والمساحات الشاسعة الأمر الذي جعل الدولة لا تستطيع السيطرة عليها  إلى جانب ضعف الإمكانات من الأجهزة والمعدات ذات التكلفة العالية  كما أن السودان متخلف في مجال  التكنلوجيا والعلوم  بجانب ضعف الرقابة التي تعد العامل الأساسي لوضع الحلول .

 استغلال الإمكانيات

ويرى الخبير إبراهيم أن ضعف الامكانيات أدى إلى استغلال ثروات السودان من جانب بعض الدول ذات الإمكانيات في تهريب المواد الخام مثل الصمغ العربي وإنشاء مصانع خاصة بتلك الدول، كاشفاً عن أن هناك مليوني (اثنين) فدان صالح للزراعة والمستهلك منها لا يتجاوز الـ 10% مما يدل على ضعف الإمكانات .

وقال من  الأسباب أيضاً التي تؤدي إلى حدوث فجوة في السلع الإستراتيجيه الكم الهائل من اللاجئين مقارنة بعدد السكان الذي اعتبره قليلاً وأن هؤلاء اللاجئين مستهلكون  لا ينتجون شيئاً بجانب أنهم عباره عن عمالة لا يستفيد منها السودان.

سلع مغشوشة

ونفى إبراهيم عباس أن يكون هناك تهريب إيجابي يمكن ان يستفيد منه المواطن السوداني، مستشهداً بالمواد التي لا تأتي عبر القنوات الرسمية بأنها  تكون غير مطابقة للمواصفات القياسية وغير مأمونة المصدر وتسبب العديد من الأمراض الخطيرة .

توقعات

ومن جانبه توقع مصدر مسؤول بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي المزيد من تهريب السلع الإستراتيجية و أرجع ذلك إلى الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها بعض الدول المجاورة.  وتنبأت الأمم المتحده بحدوث مجاعات بتلك الدول، إلى جانب ضعف إمكانات الجهات المسئولة في بسط سيطرتها على الحدود، كما تعنتت تلك الجهات في إدخال بعض المواد التى تهرب من دول أخرى من شأنها تخفيف حدة الوضع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن.

إحصائيات

إدارة مكافحة التهريب من الإدارات الهامة بالهيئة العامة للجمارك في حماية الاقتصاد السوداني و هي المعنية في الدرجة الأولى بمكافحة التهريب بكافة أنواعه سواء أكان في السلع الواردة أو الصادرة من المنتجات السودانية التي تخرج من البلاد بالطرق غير السليمة. وفي حديثه لـ”الصيحة” قال المدير العام لمكافحة التهريب، اللواء عيسي آدم إسماعيل، إنه ومن مهام الإدارة  مكافحة الاتجار بالبشر وتأمين الحدود عبر مواقعها المنتشرة والمتقدمة في كافة أنحاء السودان. وكشف عيسى عن عمل الإدارة في حماية الاقتصاد خلال العام المنصرم بإنجاز عمليات كبيره من الضبطيات في صعيد السلع الإستراتيجية. و تحدث اللواء عيسي عن ضبط كميات من المواد البترولية  والدقيق، الزيت والسكر وهي سلع مدعومة من الدولة ويفترض أن تذهب إلى المواطن ولكن يتم استغلالها من ضعاف النفوس وتهريبها إلى الدول المجاورة، خاصة دولة جنوب السودان عبر النيل الأبيض .

 مؤكداً أنه  تم ضبط خلال العام الماضي “7,900” مركبة عبر الحدود الليبية بولايات دارفور والولاية الشمالية بعد أن وجدت سوقاً رائجاً بالسودان عقب انهيار الوضع السياسي بليبيا وتم التحفظ عليها بالنقاط الجمركية، و تم تكوين لجنة عليا على مستوى رئاسة الجمهورية  لحصر تلك المركبات وتقنينها، والآن اللجنة تعمل وفقاً لأحكام و قانون الجمارك.

منافذ تهريب

وأضاف أن  منطقة محمد قول من المنافذ التى  تهرب عبرها الماشية إلى جمهورية مصر العربية وقد تم  ضبط 2,161″ رأس من الإبل  في شهر فبراير المنصرم وكذلك تم ضبط 31كيلو من الذهب المهرب بالجزء الشرقي لمنطقة محمد قول. وبولاية كسلا تم ضبط كميات كبيره من المحاصيل الزراعية المهربة مثل السمسم والفول السوداني والذرة  اُستكتب المهربون تعهدات بعدم التصرف فيها إلا بعد الرجوع للسطات، كما أن الحدود الشمالية مع ليبيا تعتبر منطقة نشطة جداً في مجال التهريب، وكذلك الحدود مع مصر فكانت تأتي بعض المنتجات المصرية.

 وبالمقابل تم ضبط كميات من المواد المهربة من الدول الأخرى للسودان مثل التبغ ومستحضرات التجميل والأدوية التى تستخدم فى زيادة الوزن والتي تعتبر من المواد الضاره بالصحة، ضف إلى ذلك بعض المواد الغذائية  غير المطابقة للمواصفات السودانية .

وكشف المدير العام لإدارة مكافحة المخدرات عن وجود كميات كبيره من حديد التسليح والتى تقدر بـ 100ألف طن في الحدود الليبية بولايات دارفور والشمالية وهناك جزء بولاية الخرطوم، لم يتم حسم أمره واعتبر عيسي أن هذا الأمر مزعج للادارة خاصة وأن التجار الذين قاموا بادخاله للسودان معهم  شهادات تفيد بأنه مطابق للمواصفات القياسية الليبية، إلا أن هيئة المواصفات السودانية لم تعترف  بذلك وهو الآن قيد الفحص.

تعديلات القانون

وأكد مدير الإدارة العامة لمكافحة التهريب “للصيحة” أن الحماية من أضرار التهريب تكمن فى التشريع السليم وتشديد العقوبات على المهربين  مؤكداً أن القانون يحتاج إلى بعض التعديلات لمواكبة التطورات التي ينتهجها  المهربون كاشفاً عن حدوث بعض التعديلات خاصة فيما يتعلق بالمادة (209) والتي كان في السابق يتم من خلالها تسويات في الذهب والأوراق المالية وبموجب التعديل تم منع تلك التسويات .

وقال إن مكافحة التهريب تتعامل مع “13”جهة مسئولة نافياً أن يكون هناك أي نوع من التقاطعات مشيراً إلى وجود لجنة متخصصة لمواءمة القوانين وتنسيقها ويوجد انسجام تام  بين الإدارة وتلك الجهات .

توفير الإمكانات

واعتبر عيسي أن التهريب آفة ضارة بالاقتصاد السوداني إلا أن هناك بعض المواد التي تأتي من دول الجوار  تحدث نوعاً من الوفرة في بعض السلع مستشهداً بالوقود الذي ياتي من الجماهيريه الليبية يتم تمريره إذا  ثبت أنه مطابق للمواصفات وكذلك الأسمنت الذي يأتي من جمهورية مصر .

توسع وتأمين

وأكد اللواء عيسى آدم علي وجود ” 150″نقطة ارتكاز في كافة الحدود مع دول الجوار ابتداءً من ولاية نهر النيل مناطق “أبو حمد” والولاية الشمالية في منطقة” بحيرة النوبة،ارقين،وادي حلفا، أشكين”. اما ولاية شمال دارفور فتوجد نقطة ارتكاز بمناطق” المالحة ومليط وكتم والطينة”، كما هناك ارتكازات بولاية غرب دارفور بمناطق (فور برنقا وبيضة وكلبس) وكذلك بولاية جنوب درفور بمنطقة (أم دافوق) المتاخمة لإفريقيا الوسطي ومنطقة (الردوم) وهي متاخمة لجنوب السودان وبشرق دارفور بمنطقتي (سماحة وأبو مطارق) وهي متاخمة لدولة الجنوب. أما غرب كردفان فتوجد نقاط بمنطقة” الميرم، ومنطقة أبو جبيهة”. بجنوب كردفان والنيل الأبيض بمنطقتي” جودة والمخيرف” ومنطقة “منزه” بالنيل الأزرق وبمنطقتي “القلابات وسري”  بالقضارف ومنطقتي “سماحة وأبو مطارق” بشرق دارفور وعبر منطقة “الدالي والمزموم” بولاية سنار ومنطقة” قلي” بولاية النيل الأزرق. والحدود الشرقية مع أرتريا عبر ولايات كسلا والقضارف والبحر الأحمر الجزء الشمالي منطقة” أوسيف” و منطقة” محمد قول” بولاية البحر الأحمر. وشدد على  ضرورة وضع نقاط إضافية بعد أن توسع النشاط التهريبي موضحاً أن هناك خطة لإضافة نقاط جديده لتأمين الحدود والتقليل من عمليات التهريب .

جهود ومساعٍ

وكشف عن وجود مساعٍ مع حكومات الولاية لعمل بروتوكولات مع الدول المجاورة لكل ولاية لتنظيم تجارة الحدود وقد بدأ العمل بولاية الشمالية وبعض ولايات دارفور ويري انها تقليل من عملية التهريب .

وبموجب قانون الطورئ استفادت إدارة مكافحة التهريب من أن العقوبة أصبحت رادعة،حيث وصلت العقوبة إلى (10) سنوات سجناً بالاإضافة إلى مصادرة المضبوطات وكانت هناك نتائج إيجابية للقانون .

ونفى أن يكون هناك ضعف في الإمكانات، وقال إنها متوفرة من قبل وزراة الداخلية والمالية و هيئة الجمارك وقد وفر عدد كبير جدًا من عربات الدفع الرباعي، وسوف يتم إدخال الطائرات وتقدمت الإدارة  بعروض لشراء (4) طائرات بدون طيار خلال الفتره القادمة، بالإضافة إلى طائرات مروحية .

مقالات ذات صلة

إغلاق