بل سوَّلت لهم أمانيهم

*بخلاف كثيرين، الذين ربما رأوا فيما انتهى إليه اجتماع العسكري والتغيير أمس الأول، مُحبطاً لهم وربما حتى قاتلاً لأمانيهم، في أن يروا الاجتماع انفض دون أن يطوي آخر الملفات العالقة، ومن ثم يُتيح فرصة لشعبنا ليمد بصره وليجيل نظره وليتطلع مشرئبّاً لمستقبل لطالما رنا إليه وتاق للظفر به.

*أقول بخلاف كثيرين، فإن اجتماع أمس الأول ربما حقق إنجازاً كبيراً، ينبغي أن نتوقف عنده وأن نلتفت إليه، فمن بعد أن علق العسكري المفاوضات لـ72 ساعة، كان من بين الأهداف التي توخّاها والقياسات التي أراد الوصول إليها، أن يختبر شرعية قوى الحرية والتغيير، وما إذا كانت قوى الاعتصام تستجيب لها وتلتزم بتوجيهاتها، في أن تعود إلى مواقع اعتصامها وأن تزيل متاريسها، كانت النتائج مذهلة لدرجة أنها فاجأت العسكري نفسه، وأكدت له صحة توجّه وسلامة اختيار من يفاوضه.

*بالمقابل نشطت قوى أخرى، أرادت أن تقول، إن قوى الحرية والتغيير ليست وحدها، وإن هناك قوى أخرى تُنافسها وتُقاسمها الساحة وتُشاطرها، ومضت لتتّهم قوى التغيير بأنها أحادية وإقصائية، واتهمت المجلس بأنه استجاب لها من موقع ضعف، من بعد ما عزّزت قوى الحرية اعتصاماتها وزادت من متاريسها، وأكثر من ذلك حاولت هذه القوى أن تدغدغ مشاعر الشعب الدينية، برفعها لرايات الشريعة والانتصار لها، وصوّرت الأمر على أن الشيوعية قد دانت الغلبة لها، وأنها تريد أن تنحي الدين وتفصله من الدولة، بل ومن حياة الناس وشأنهم.

*المجلس العسكري، كان يرقب كل هذا، يرقب حراكاً هنا وحراكاً هناك، يرقب احتجاجات واعتصامات قوى الحرية، التي تجاوزت شهرها الخامس، دون أن يضعف أوارها، أو يسكن تيارها، أو يتراجع موارها، وبين قوى أخرى، كانت جزءاً من نظام قديم، إلى آخر يوم من عهده، تريد أن تقطف ثمار ثورة، ثارت عليها وعلى عهدها وعلى نهجها وعلى ظلمها وعلى فسادها واستبدادها.

*هذه القوى التي سيّرت مسيرتها في مواجهة قوى الحرية ومناهضة لها، كان ظنها أن المجلس العسكري، سيتراجع تحت ضغط صوتها، وتحت زئير غضبها، ومن ثم آبت مطمئنة لفعلها وراضية عن أدائها.

*ومن ثم ففي تقديري أن الإنجاز الأكبر، أن ثبت المجلس العسكري وقوى الحرية ما تم التوصل إليه من اتفاق، وأذاعوه على الناس مرة أخرى، ليسمعه من لم يكن قد استوعبه، أو من ظن أن مسيرته ستجهضه.

*وبعد، فإن الاختلاف حول نسب التمثيل في المجلس السيادي، ولمن ستكون الغلبة للمدنيين أم للعسكريين، ولمن تكون الرئاسة، والجلوس على قمته والتوهط فوق سدته، كل طرف من الأطراف يحاول أن يسند موقفه، ومع ذلك فإنه من بعد تحديد السلطات والصلاحيات لمجلس السيادة، ربما هذا يقلل من غلواء الاختلاف وحدّته وشدّته، وربما كانت المقايضة، أن من يرأس المجلس سيقل تمثيل كفته، ولن تكون غلبة العضوية له.

*وإذ كان لنا أن نُحيي همة شبابنا وفتية ثورتنا، أنهم لم يقبلوا لأنفسهم أن يتراجعوا فقط إلى منطقة اعتصامهم ولا إلى إزالة متاريسهم، وإنما تولوا نظافة المواقع التي كانوا يسيطرون عليها، وإلى تجميلها، حدث هذا في وسط الخرطوم، وفي مواطن أخرى كثيرة، لكني رأيت بأم العين على امتداد طريق الصحافة غرب، شباباً وشابات، من بعد أن فرغوا من النظافة، عمدوا إلى طلاء (التلتوارات)، في منظر يطمئنك على السودان ومستقبله، وعلى الثورة وشبابها، كل هذا يتم عبر مساهمات للمارين والعابرين، إنه سودان ودّع زمان الطامعين واستقبل زمان المُضحّين.

مقالات ذات صلة

إغلاق