وكيل الخارجية السفير صديق عبد العزيز لـ(الصيحة) (2 – 2)

 

المَخلوع يُحاكم بالداخل وهناك تفاهُمات مع الجنائية

ملف سد النهضة حسّاسٌ والمرونة مطلوبة

ملف حُقُوق الإنسان أُغلق ولن نصرف قرشاً لوفود جنيف

جائحة كورونا جاءت في وقتٍ كُنّا ننتظر العالم ينظر إلينا والعبء أصبح أكبر على الحكومة!

ملف الإرهاب سياسيٌّ ويُمكن ينطوي بإجراءات محاكم عادية

لعدة أسباب الغرب لم يدعمنا كما كُنّا نأمل

بعيد سُقوط النظام، استدعت وزارة الخارجية، عدداً كبيراً من رؤساء البعثات الدبلوماسية بالخارجية. الأمر الذي يعتبره مُراقبون أحدث خللاً.. كيف تسير الأمور الدبلوماسية الآن؟

حقُّو نسأل لماذا الاستدعاء؟

ما حدث في السودان ليس بالشئ الهيِّن، نظام حكم 30 عاماً اُقتلع، كان للسودان خلالها سفراء، والسفير أصلاً مُوظّف لدى أيِّ نظام، وفي حالة حدوث تغيير يُصاحبه تغييرٌ في السلك الدبلوماسي وهذا شئ طبيعي ولو لم يحدث يكون غير الطبيعي، السودان قام بثورة شهد عليها كل العالم، ورُفعت شعارات محددة وكنا نحكم بسياسات لا تخدم مصالح البلد، المتوقع ان نعمل تغييرا في السياسة الخارجية لتخدم المصالح والطبيعي الذي يخدم ذلك هو إجراء تغيير، خاصةً إذا ثبت أن هذا السفير لا يخدم المصالح أو قد لا تطمئن له في خدمة مصالح الثورة وما حدث ليس غريباً، لكن نحن ننظر للأشياء بدرجة عالية من الحساسية. سحب السفراء شئ طبيعي ومن تم استدعاؤهم ليس جميعهم مشكوك فيه ولكن عند حدوث تغيير حتى في الأنظمة الديمقراطية تحصل تغييرات سياسية ومن حق القيادة تغيير من ترى من السفراء، باعتبار أنّ السفير هو الذي يمثل الرئيس، لازم يكون لديك سفير يمثلك، ولأنّ عملية الاجتياز ليست سهلة قد تستغرق ثلاثة أشهر على الأقل وفق الأعراف الدبلوماسية حتى تحصل على مُوافقة البلد المرشح له، هناك تأخير لكن فرضته ضرورة إجراء الترشيح.

وهل أكمل ملف الترشيحات لملء الفراغ؟

نحن الآن رشحنا عدداً كبيراً ووصلتتا بعض الموافقات وفي انتظار ما تبقى وإن شاء الله كل السفارات خلال الفترة القليلة القادمة سنرسل كل السفراء لبعثاتنا بالخارج..

شهدت الخارجية فصل عدد من منسوبيها وُصفت بأنّها أكبر مجزرة وأن وراءها مكايدات سياسية، مَا هُو تعليقكم؟

ملف الفصل حسَّاسٌ، لكن يجب أن نعلم أن ما حدث ليس بالسّهل اقتلاعه، نظام حكم امتد لـ30 عاماً اقتلع برمته والآن رموزه بالمُعتقل يُواجهون محاكمات، ومن الطبيعي هنالك مصالح ومؤسسات لا بد أن تمتد إليها يد التغيير، منها وزارة الخارجية فهي ليست استثناءً، كل مؤسسات الدولة حدث فيها تغييرٌ، لا أحد يقبل مبدأ الخلع من الوظيفة.. ولعلّ من أوائل ما وضعته الحكومة الانتقالية هو قانون تفكيك التمكين فماذا كان مُتوقعاً من القانون مثلاً..؟

سياسة الدولة الجديدة هو تفكيك المنظومة القديمة التي كان يعتمد عليها النظام السابق، سياسية وأمنية ودبلوماسية ..إلخ، الإجراء ليس مفاجئاً ولكن يمكن المفاجئ استبعاد أعداد كبيرة. القانون وجد أنّ هنالك أشخاصاً تم توظيفهم إبان العهد البائد اما غير مرتاحين لهم أو لديهم شكوك بأنهم ينتمون للعهد البائد .

وهل نتوقّع مزيداً من الفصل؟

الجهة التي وضعت القانون هي التي يجب أن تجاوب، فاللجنة لديها معلومات كافية عن كل شئ، فهم ليسوا موظفين عاديين من أجهزة لها آلياتها ووسائلها.

بعضهم انتقد عدم وقوف الوزارة إلى جانبهم ورفضها تسلُّم تظلُّمهم الإداري، هل هذا صحيح؟

تسلُّم الوزارة لتظلمات المفصولين هذا حقّهم باعتبار الجهة التي كانوا يعملون بها، وأول ما ظهر لغطٌ تم استدعاء المستشار القانوني للوزارة باعتباره مسؤولاً عن تطبيق القانون، وعرفت أن هنالك حوالي بعض التظلمات تسلّمها  المفصولون وتم تحويلها للجنة التفكيك.. وبعد معرفة الوزارة بذلك أصدرنا توجيهاً بأن يستلم التظلمات الإدارية المُستشار القانوني باعتبار أن المفصولين منسوبو الوزارة ويتم الرد عليها، ثم تحوّل للجهات المعنية.

وهل اذا تم الفصل لصالحهم ستتم إعادتهم للوزارة؟

 

بالطبع، نحن أصلاً لا الجهة التي تُقرِّر أو تُوظِّف أو تَرفد، الخارجية تتطلب وظائف عبر الجهات المُختصة، مجلس الوزراء، وزارة العمل ولجنة الاختيار وهي وزارة كالوزارات الأخرى تتلقّى تعليمات من الجهات التتفيذية العُليا.

كيف سيكون التوظيف في الفترة المُقبلة، البعض يرى أن تمكين الكيزان سيُستبدل بتمكين آخر؟

الخارجية لديها نظامٌ راسخٌ في اختيار كوادرها، في السابق لم يكن مُختلاً حيث يتم عبر إعلان رسمي، ويتم التوظيف إما عبر مدخل الخدمة أو كوادر وسيطة ويتم تقديم طلب لجامعة الخرطوم أو أيّة جامعة أخرى بالتنسيق مع وزارة العمل ولجنة الاختيار لتصميم امتحان في أربع أوراق هي لغة عربية وإنجليزية وورقة عن السودان، وأخرى علاقات دولية، ومن الآلاف الذين يقدمون للوزارة لا يتجاوز الاستيعاب العشرين، وعندما تكون هنالك حاجة أكبر تتطلب الوزارة كوادر وسيطة (سكرتير ثاني ومستشار).. نحن غير مسؤولين عن تجاوزات الثلاثين عاماً، الذي حدث كان تعييناً سياسياً لم يكن مخفياً، ولكن من الآن فصاعداً سيكون التعيين بنفس الدرجة العالية من الشفافية وستُعلن الوظائف في الصحف وسيكون الاختيار عن طريق لجنة الاختيار العامة .

اتّفقت الخرطوم وواشنطن على ترفيع التمثيل الدبلوماسي منذ زيارة حمدوك لواشنطن، الآن تمت المُوافقة وقبل ترشيح السفير هل نتوقّع خطوة مماثلة؟

يجب أن لا ننسى أنّ الخرطوم هي التي بَادَرت بقطع العلاقات وسحب السفير بعد ضرب مصنع الشفاء. بعد المُوافقة على الترفيع بادرنا ورشّحنا سفيرا والآن السفير تم قبول ترشيحه وحالت جائحة كورونا من سفره لتسلم المهام، وكندا كذلك وافقت على الترفيع. وهنالك نظرة إيجابية جديدة للتعاون مع السودان من قبل الدول الغربية التي كانت مُتردّدة في ترفيع علاقاتها وهذه حسب العرف الدبلوماسي خطوة مُتقدِّمة ورغبة للارتقاء بعلاقاتها مع السودان على مُستوى السفراء.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ملف أرهق السودان قديماً والثورة الآن، أين وصلت جُهُود الرفع؟

الوضع الذي نحن فيه الآن بسبب أخطاء النظام البائد، في لحظة من اللحظات أصبح السودان ملاذاً للإرهابيين في كل دول العالم “بن لادن كارلوس وغيرهم”، عاشوا وسطنا وهذا خلق كثيراً من المشاكل، وحتى عندما حاولنا نصحِّح لم نستطع، لأنّ الدول أصبحت لا تثق فينا ودخول الإرهابيين لم يسيئ لعلاقاتنا مع واشنطن فحسب، بل حتى دول الجوار (مصر، ليبيا والسعودية) الآن هذه مرحلة تجاوزناها .

البعض يرى أنّ إقدام الحكومة على دفع تعويضات المُدمِّرة “كول” سيجر السُّودان نحو مَزيدٍ من المُطالبات بالدفع.. تعليقك؟

بالنسبة للمُدمِّرة نحن ندفع في ثمن خطأين أساسيين، الأول تسلم الحكومة عبر إحدى بعثاتنا لعريضة الادعاء الأول، كان الأوفق أن لا نقبلها والتسلم يعني إقراراً بقانون المحاكم الأمريكية.. والخطأ الثاني بعد تسلُّم العريضة تم رميها وسط الملفات ولم ينتبه لها أحدٌ.. وفي القانون الأمريكي بعد تسلم الدعوى تبدأ الإجراءات والجلسات وحتى الغياب عن الجلسات في النظام القضائي الأمريكي خطأ كبير جداً وهذا أدخلنا في كَثيرٍ من المَتاهات التي نحن فيها الآن.

حالياً وبعد التغيير وضح أنّ هنالك رغبة في صفحة جديدة للسودان، لكن هذا لا يسقط ما فات من دعاوى، نحاول حالياً مع  واشنطن على المُستوى السياسي تجاوُزها.

ولكن قد يجر لملفات أخرى؟

بالطبع هذا ملف زلق لأن المحاكم قد تجر، القضية تمضى بصورة ممتازة لكن نخشى ارتباطها بملفات أخرى كتعويضات ضحايا السفارتين وغيرها.

وهل في الإمكان اللجوء للحل السياسي؟

الملف سياسي أصلاً ويمكن أن ينطوي بإجراءات محاكم عادية، كل الذي نامله أن الانفراج في العلاقات الذي حدث، وأن يعلموا أن ما تمّ مكايدات سياسية وأن السودان لا يمثل خطراً على الأمن القومي الأمريكي. نحن دولة عالم ثالث، لكن مطلوبات السياسة من دولة كبرى تريد إرسال رسائل للعالم عبرك في فترة شَقّ السودان فيها عصا الطاعة لدولة عظمى ومؤثرة في مسارات الأوضاع في العالم.

سعادة السفير، توقّع الناس أكثر مُساندة من الغرب للسودان بعد الثورة، لكن التجاوب كان بغير المتوقع؟

اتفق معك “مية مية”، نحن المُتابعون كنا نتوقّع كثيراً من الملفات تقفل ونبدأ صفحة جديدة في العلاقات مع الغرب، لكن يبدو كان هناك تفاؤل كبير، لأنه كما لك أهداف للدول مثلها وأنت تنظر من زاوية وهم من أخرى. الغرب لم يتعوّد على الطريقة التي يحكم بها السودان الآن، هم تعوّدوا إما عسكرية أو مدنية، لكن الظرف الذي يمر به السودان بعد التغيير من نظام قابض، حتم وجود نظام مختلط يجمع بين المؤسسة العسكرية والمدنية، حتى تمر الفترة الانتقالية بصورةٍ آمنة، غير أنّ المُؤسّسات الغربية خاصةً صاحبة القرار تفهم أبيض وأسود. أكيد كان الناس تظن أنه بمجرد سقوط نظام البشير، كل الملفات ستقفل وتتدفق المعونات، كثير من الأمل لم يحدث لأن للغرب حساباته ولا يأخذ الأشياء بطريقتنا نحن. العلاقات انطلقت ولكن كنا نتوقّع معونات بلا حدود.

وما المطلوب؟

يجب أن نُكثِّف تواصلنا مع الإعلام العالمي، حتى الآن التعاطي مع الشأن السوداني ليس بالطريقة المفروضة، قيام ثورة شعبية بهذا الحجم كان يفترض ان تصاحبها حملة إعلامية غربية لتشكيل رأي عالمي عام للضغط على المُؤسّسات الحاكمة لتوفير الدعم اللازم لإنجاح التغيير .

هل جائحة كورونا خصمت من التفاعُل مع الثورة السودانية؟

لا ينكر أحدٌ بأن العالم أصبح لا يتحدّث عن شئ خلاف كورونا، لأن اقتصاديات العالم اهتزت، لم يحدث مثل هذا منذ ثلاثينات القرن الماضي. المرحلة الراهنة صرفت نظر كل الأمم وأصبحت الدول منكفئة على نفسها وأي دولة لديها مُشكلة لا تنظر في مشكلة دولة أخرى، إيطاليا حدثت فيها أكبر هجمة لكورونا انصرفت عنها حتى دول الاتحاد الأوروبي الملتزمة بالقانون على مساعدتها، كل دولة تتحدث “نفسي نفسي”، كثير من الدول أوقفت تصدير الاحتياجات في المجال الطبي كالكمامات مثلاً. نحن بحثنا بالقروش من الأسواق العالمية ولم نجد للآن. كل دولة تريد تأمين نفسها. الآن بدأ التحدث عن عالم ما بعد كورونا. مصيبة كورونا جاءت في وقت عصيب كنا ننتظر العالم يلتفت إلينا، وهذا الوباء جعل العالم يلتفت لنفسه وينسى إلى حد كبير حاجة اسمها ثورة السودان .

وهذا بالطبع يضاعف الأعباء على الحكومة الانتقالية.. إذن ما هو المخرج؟

كل العبء الذي كُنّا لا نستطيع حمله وقع على الدولة. كورونا وضعتنا في ظرفٍ صعبٍ جداً وهذا يلزمنا أن ننظر فيما لنا من قُدرات، نُحاول فتح أسواق رغم الحركة الضعيفة، هنالك دول كثيرة في محيطنا تأخذ لحومها وخضارها من السودان لأنّها لا تجدها من غيرنا، مع الأضرار قد تكون لنا منافع، لكن بالتأكيد ضرر كورونا كبير كدولة متلقية للعون.

وكيف تمضي العلاقات مع دول الجوار، هناك حديث عن فتور خاصة مع أديس والقاهرة؟

ملف سد النهضة حساس جداً ويمر بمنعطفات خطيرة، لأنّ فيه مصالح وهي ليس بالضرورة أن تتطابق في كثيرٍ من الأحوال بين الدول الثلاث. لكل دولة حساباتها، لكن إدارة ممر مائي بهذه الأهمية لا بُد أن يحدث فيه توافق والوصول لصيغة تُراعي مصالح كل دولة وهي حالة قد تبدو صعبة، وهناك خلافات حول ملء السد وسنينه وغيرها، هي مرحلة صعبة وتحتاج لدرجة عالية من المرونة وربما عون الآخرين كما يحدث الآن الاستعانة بالولايات المتحدة.

حكومة الثورة رفعت شعار تغليب مصالح السودان، هل يطبق الآن أم ما زالت سياسة التعبئة تنفذ؟

هذه نقطة مُهمّة جداً. منذ البداية قلنا إن السودان دخل مرحلة جديدة ولن يكون كما في السابق، حيث كثير من العوامل تجعلنا ننكسر وننصاع.

مثل ماذا؟

الآن السودان أعمدة سياسته الخارجية تقوم على رعاية مصالحه، من الآن فصاعدا لن يكون تابع لأحدٍ، هناك دول أقل منا شأناً وقدرة اقتصادية لديها سياسات ومصالح تراعيها. كانت مصيبتنا أن (البدور) علاقاتنا الخارجية أشياء كثيرة منها المحكمة الجنائية وملف حقوق الإنسان، كانت تلك العقبة الكؤود التي لم نستطع تجاوزها ويحاسب بها السودان في المؤسسات الدولية والإقليمية.

وهل أُغلقت؟

ملف الجنائية أُغلق تماما ًوكذلك ملف حقوق الإنسان ، في السابق كنا نبعث سنوياً مائة شخص لجنيف لاجتماعات حقوق الإنسان.. الآن الملف أُغلق تماماً ولم نعد نصرف قرشاً. أسّسنا مكتباً لحقوق الإنسان بالتنسيق مع حقوق الإنسان بجنيف. ليس لدينا أي ملف يجعلنا تحت رحمة أي جهة.

هناك من يتحدّث عن تسليم البشير للجنائية؟

هناك مُداولات تمّت بين القضاء والمحكمة والاتحاد الأفريقي. البشير يحاكم الآن بالداخل ويُواجه القضاء السوداني والجنائية مرحلة ثانية فتحت للنقاش، ويمكن نصل لخلاصة مثلاً أن يُحاكم بالسودان بالتنسيق مع الجنائية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى