خربشات الجمعة

(1)

كانت الإنقاذ في أيام شبابها وعنفوانها الثوري والصحافة في السودان تعيش في كنف السلطة القابضة ثلاث صحف فقط.. القوات المسلحة والسودان الحديث والإنقاذ الوطني، ولكن الصحف الثلاث فتحت أبوابها للرأي الآخر من غير شطط ولا غلواء.. وحينها كنا شباباً نرسم بأقلامنا طريقاً مفروشاً بالأشواك.. أقيمت الدورة المدرسية في مدينة الأبيض عاصمة إقليم كردفان قبل “التقسيم” والجنوبيون عند تقسيم الإقليم الجنوبي لثلاثة أقاليم عام 1983م بقرار من الرئيس الأسبق جعفر نميري أطلقوا على التقسيم اسم “الكوكرا” بلهجة أو لغة الباريا وهم سكان جوبا الأصليون!! وتقسيم إقليم كردفان لثلاث ولايات صاحبته احتجاجات من مكون دولة “الجلابة” في الأبيض باعتبار الخطوة تسلب امتيازات طبقة التجار القادمين من السودان النيلي واستأثروا بكل شيء وتنامت ثروتهم المالية تحت ظلال شجرة السلطة.. كانت الأبيض على موعد مع عرس الدورة المدرسية القومية، وكان الحاكم حينذاك سيد الحسين عبد الكريم بكل جبروته وحماسه الطاغي والتظاهر بالانتماء فكراً للتيار الإسلامي الحاكم.. أطلق لحية طويلة.. وأكثر من مخاطبة المصلين في المساجد، ولكنه أخطأ التقدير بإصراره على محاكمة قيادات سياسية بعضها موصولة بعمق التنظيم الحاكم مثل الفاضل حاج سليمان ودلدوم الختيم أشقر وثالثهم علي أبوعنجة الموت، بزعم اتصالهم “بمتمردي” الحركة الشعبية في جبال النوبة مستغلين صفتهم أعضاء في اللجنة الشعبية بإقليم كردفان..

وصلنا الأبيض مع الزميلين حسن البشاري والبدوي يوسف وقد أصبحا اليوم من نجوم الصحافة في دولة قطر!! لتغطية فعاليات الدورة المدرسية، وفي يوم الافتتاح كان التدافع الجماهيري كبيراً وجراء ذلك سقط السور الجنوبي من ملعب إستاذ الأبيض القديم!! أصيب عدة طلاب في التصدع الذي حدث ودوت صافرات الإنذار ونقل المصابون لمستشفى الأبيض.. وفي اليوم التالي نشرت الصحف الثلاث خبر تصدع إستاد الأبيض.. وكانت الصحف تصل الأبيض في اليوم التالي.. واليوم قبل تصدع طريق الصادرات تصل الصحف الأبيض عند العاشرة صباحاً.. 

غضب اللواء الحسيني وزمجر.. وتوعد الصحفيين الثلاثة بالويل والثبور.. وصدرت التوجيهات لمدير عام قوات الشرطة بكردفان العميد عمر الحضيري بالقبض على الصحافيين الثلاثة ووضعهم في الحراسة حتى نهاية الدورة المدرسية..

العميد عمر الحضيري كان ضابط شرطة على قدر المسؤولية ولم يذعن لتوجيهات الوالي المباشرة، ولكنه عمد لامتصاص غضب الوالي.. تم استدعاء ثلاثتنا لمكتبه بالقرب من سينما عروس الرمال وتناولنا معه الشاي والباسطة والحلويات.. وتناقشنا عن وقائع ما حدث ليلة البارحة والتصدع الجزئي بملعب الأبيض ولماذا طغى خبر تصدع الملعب على خبر افتتاح الدورة المدرسية.. قدم حسن البشاري مرافعة عن القيم الأخلاقية للمهنة، وأثبت لمدير الشرطة أن الصحف الثلاث لم تخرق القيم الأخلاقية ونشرت وقائع صحيحة.. أما مسألة عدم نشر خبر عن افتتاح الدورة المدرسية فتلك تقديرات لرؤساء تحرير الصحف الثلاث وهم محمد سعيد معروف “السودان الحديث” ومحيي الدين تيتاوي “الإنقاذ الوطنيط والعميد عبد العظيم نورالدين “القوات المسلحة”.. 

همس الحضيري في أذني “الوالي أمر باعتقالكم ولكني لن أفعل ذلك!! اذهبوا لتغطية بقية مناشط الدورة المدرسية، لأن نجاحها يهمنا جميعاً.. انصرفنا لمتابعة الأنشطة الرياضية والثقافية بينما خاطب الحسين المصلين وندد بالصحافة والصحافيين المغرضين الضالين!! في أنفسهم والمضلين لغيرهم.. تلك أيام انصرمت ولم يبق منها إلا طيف الذكريات الصادقة ونبيلة!!

(2)

ماذا يحدث لو أمر رئيس المجلس السيادي الفريق البرهان أعضاء مجلسه بقيادة حملة سياسية واسعة على الولايات ومخاطبة الجماهير تبشيراً بمبادئ وأهداف الثورة!! وتم تقسيم الأعضاء الأحد عشر على الولايات النيل الأزرق يطوف عليها الشاب صديق تاور، جزء من الرحلة بالطائرة الرئاسية حتى الدمازين وبالطائرة المروحية إلى باو والكرمك وقيسان والرصيرص.. ويشرح صديق تاور لأهل النيل الأزرق الأسباب التي أدت لعدم إشراكهم في المجلس السيادي، وهل من يمثلهم سيأتي مع الجبهة الثورية؟؟ وهل سيتم إدماج النيل الأزرق في الجزيرة؟؟ أم تبقى ولاية على حالها التي تركها عليها البشير، ربما لن يجد صديق تاور مشقة في مخاطبة أهل الدمازين ولا الرصيرص، ولكن سكان الكرمك سيقولون له جيتنا وفيك ملامحنا!! أما السيدة عائشة رضى الله عنها فقد تذهب بها تكاليف رئيس المجلس لولاية غرب دارفور بالطائرة الرئاسية من الخرطوم إلى الجنينة وتستغرق الرحلة ثلاث ساعات ليستقبلها سلطان دار مساليت.. وعليها مخاطبة النازحين في المعسكرات وتفقد محليات الولاية بالطائرة المروحية إن وُجِدت أو بالسيارات اللاندكروزر إلى صليعة وهبيلا وجبل مون الذي قرأت السيدة عائشة عن المعارك العسكرية التي دارت في الجبل.. ثم التوجه إلى كلبس ومخاطبة أهلنا من القمر.. والانتقال إلى فوربرنقا للحديث عن الثورة ووهجها والتبرع للمرأة واتحاد الشباب وتناول العصيدة والرقص مع النساء والعودة إلى الجنينة.. أما محمد الحسن التعايشي فإن نصيبه زيارة جنوب كردفان ومخاطبة الجماهير في الترتر وأبوجبيهة “الجبال جنة هنا وجنة هناك).. ولقاء كافي طيارة البدين في كادقلي.. والشيخ عبد الرحمن أبو البشر زعيم الأنصار والحديث لحمدان البولاد، ولقاء كنانة في الدبيبات، والأما في تندية، والكواليب في دلامي، والتعايشة قد ضحى بوظيفته في شركة أمنية  ببريطانيا من أجل هؤلاء.. وقد تذهب رجاء عبد المسيح إلى الشمالية وزيارة حلفا القديمة وتفقد معبر أشكيت والوقوف على الآثار النوبية في دنقلا.. ويزور حميدتي الجزيرة وياسر العطا نهر النيل.. والفكي كسلا، أما الشيخ حسن فتنتظره ولاية شمال دارفور من الفاشر حتى أم برو والطينة.. وجبل سي وعوين جرو وظلمونا وطويلة والكومة.. وهي مهمة لا يقبل عليها إلا أولو عزم أكيد.. 

المجلس السيادي تنتظره تعبئة وطواف على الولايات حتى يصبح قريباً من الناس..

(3)

من أجمل ما قرأت للشاعر منصور دفع الله منصور الشهير بود الصقري:

يا ستار على الكلس الموارك الخبره

ويا فراج على الجرحو تب ما ببره

نوينا بلودها الصافي دهب العبره

انتي أميرة يا ملكة العفاف والجبره

وكل جمعة والجميع بخير..

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock