خربشات الجمعة

(1)

محمد الحسن الشيخ شاعرٌ وأديبٌ نشرت له دار أوراق ديواناً بعنوان (وأبقتني هناك)، دفعت به إلى القُرّاء حتى دُون مُقدِّمات أو يتضمّن الكتاب سيرة ذاتية لمعرفته لأمثالنا مِمّن لم يقرأ لهذا الشاب الملتحي وهو يضع صُورته في الصفحة الأخيرة من الكتاب، وتحتها قصيدة أنيقة تُعبِّر عن شخصٍ مُبدعٍ حقيقي وشاعرٍ مجيدٍ، لكنه لسببٍ أو آخر لم يَنشر سيرته ولم يَتَحَدّث عن أعمالٍ أُخرى نُشرت أو في طريقها للقارئ، وقد صمم الغلاف الفنان سيف الدين لعوتة وصدرت الطبعة الأولى عام 2015م، ولم يكتب الشاعر مُقدِّمة لديوان شعره مثل آخرين، ولم يحرض على البحث عن مَشهور وعلم من المشاهير للإطراء على الكتاب بحثاً عن سُوق وذُيوع وشُهرة وفي قصيدته الرائعة التي زيّن بها أخيرة الديوان يقول:

لو أنّها هذت جزوع العشق مافر الندى

لو أنّها فتحت مدارجها ليتسع الندى

لو أنّها صامت لياليها الطوال وداعبت رجع الصدى

لكست وجوه مواقفي أسفا وأبقتني هناك

كالأرض لما ترفض بالظبي الطليق وتزدري لؤم الشراك

ما حيلة الأرض الحبيبة حين تمتهن الهلاك

وما حيلة الأشواق حين تسهب في العراك

نحن الحقيقة يا مشاعر صدقينا

إنا نخطب من ودادك ما يفي

إن أنتِ لم تتوقّفي

سأعود اجتراح انبلاجك بالعويل

الشاعر محمد الحسن الشيخ من صورته المنشورة شاب من الشباب (الراكب راسو) شِعراً، وهؤلاء لم يجدوا في السنوات الماضية رَاعياً ينشر إبداعهم الأدبي إلا نور الهدى صاحب مكتبة عزة الذي ينشر قِصَصَاً لأُدباءٍ مَغمورين وشُعراءٍ لم يسمع بهم وزير الثقافة أياً كان ذلك الوزير.

(2)

من أروع قصائد ديوان (وأبقتني هُناك) قصيدة بعنوان شقاوتي والحبيبة وهُو يَمضي باتّجاه المَدرسة الجيِّدة في الفضاء الشعري الذي تجاوز الحبيبة الحسية إلى الحبيبة الإنسان على خُطى عاطف خيري وعُمر الدوش رُوّاد حواء الإنسان بعد أن غربت شمس شعر حواء الأنثى منذ عهد التي تمشي الهوينا لا وحي ولا وجل وحتى التي تغنّى لها عبد الكريم الكابلي ذات الشعر الدوائر والعيون السود، مُروراً بوردي والنهود مثل البرتقال المدردم، ولكن الشاعر الإنسان محمد الحسن الشيخ يقول:

في سابق الأيام

كنت مُوشّحاً بالصدق دوماً والأحاسيس الحميمة

وكنت نقشت شقاوتي في ساق نيمة

وقد بنيت من الرمال عوالمي سوّرتها صوري القديمة

قد عشتها شغباً وها تترى كأفكارٍ عَقيمة

لم تذكرني الجميلة أنّها في الصبح

تنتظر انطلاقاً للبعيد

وقد سمعت بأنّها تنوي مُقاضاة النشيد تُهماً تقدِّمها بأن خان اللحون مشوهاً وزن القصيد

إنها رغم ائتلافي سوف تدرجني بقائمة الشهود

غير إني لست مسؤولاً عن مُحاصرة المَضارب بالحشود ولست بقادرٍ يوماً على نقض المَواثيق التي أبرمتها صدقاً ولا تلك العهود.

شُكراً لمجموعة الكتاب المفروش في قارعة الطريق التي تجعل مثل هذا الإبداع مُتاحاً وبأثمانٍ في مُتناول يد الجميع.

(3)

نَزَفَ لاعب المنتخب الجزائري دماً بلّل القميص الأبيض الجميل وهو يُواجه عُنف لاعبي مُنتخب السنغال في المباراة الختامية لبطولة الأمم الأفريقية الجمعة الماضية، وقد حصد المنتخب الجزائري عرق لاعبيه ودماءهم التي سَالَت طِوَال البطولة، كأساً بها يُباهي ويفتخر أولاد الجزائر الذين أطلق عليهم الجمهور صفة مُحاربي الصحراء استلهاماً لروح أجدادهم مِن العَرب والبربر، الذين حاربوا بِجَسارةٍ لم تعرفها القارة الأفريقية من قبل، ومَهَرَ أحفاد المناضلة جميلة أبو حريد ثمن الاستقلال والحُرية بنحو مليون من الشهداء.

كَيفَ لا يَنَالُ مُنتخب الجزائر البطولة الأفريقية وقد خَاضَ مُبارياته بالرُّوح لا الفن والمهارة، وعندما يلعب فَريقٌ أو مُنتخبٌ برُوح شَعبه يَصعب إيقافه وكَبح جِماحه، وفي المُباراة النهائية كانت المُواجهة عَنيفة جداً بين مهارة لاعبي السنغال المعروفين بأسود التيرنغا، وبين مُحاربي الصحراء، وداخل الميدان تنافسٌ آخر بين هدّاف الدوري الإنجليزي السنغالي ساديو مانى ورُمّانة مانشيستر سيتي اللاعب الزئبقي رياض مُحرز مُتوسِّط هجوم الجزائر، وبين يوسف بلايلي ولاعب افيرتون الإنجليزي إدريس قاي، ولكن رُوح ثورة الجزائر أخمدت براكين نهر السنغال وذهبت كأس البطولة للمُنتخب الأكثر جسارةً في الميدان، ومن نزف الدم من أجل وطنٍ يستحق أن يجلس على عرش القارة، وأربعة وعشرون طائرة جزائرية تَهبط في مطار القاهرة تحمل مُشجِّعي المُحاربين، وعادوا ظافرين بكأس الأفارقة الغالي.

شُكراً للمدرب جمال بلماضي الذي سَجَدَ بعد المُباراة شكراً لله وحمداً بنصرٍ تَحَقّقَ.. وكل جمعة والجميع بخير.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock