“إنَّما ينهَضُ بالشَّرقِ مُستَبدٌ عَادل” ..!

“التناحر القَبَلي ليست له روح رياضية، لذا فهو أحياناً يحتاج إلى حَكَمٍ مُستبد يتحرَّى العدل في تهشيم أضلاع الديمقراطية” .. الكاتبة ..!

كتب الأستاذ “جهاد الخازن” قبل سنوات مقالاً بصحيفة الحياة – أثار جدلاً واسعاً – أكد فيه أن الخلافة الراشدة كانت في عهد سيدنا “أبي بكر الصديق” وسيدنا “عمر بن الخطاب” فحسب، وللتدليل على وجهة نظره أشار إلى ما صاحب تقديم سيدنا “عثمان بن عفان” لبعض أقاربه، وقال إن سيدنا “علي بن أبي طالب” كان عبقرياً في كل شيء إلا في التعامل مع الناس، ربما لصغر سنه “رضي الله عنه وعنهم وأرضاهم أجمعين”. وقد استعرض الأستاذ “جهاد الخازن” في مقاله – أيضاً – مظاهر الاستبداد السياسي في الدولتين الأموية والعباسية، وما جاءت بعدهما من دول في مراحل التاريخ السياسي للخلافة الإسلامية. أما الذين انتقدوا مقاله فقد احتجوا بأنه قد تعمد الإشارة إلى مواقف منتقاة ومجتزأة من حياة الخلفاء وتاريخ الخلافة ..!

والحقيقة أن مقاله ذاك لم يكن سوى إشارات مقتضبة إلى ما أسهب فيه بعض المفكرين، الذين أرجعوا ظاهرة الاستبداد السياسي في العالم “العرب إسلامي” إلى ضعف المسوغات الشرعية التي نهض عليها مبدأ ولاية العهد، وبيعة أهل الحل والعقد، منذ حادثة السقيفة في صدر الإسلام، وحتى عصر توريث أنجال رؤساء  حكومات الديمقراطيات العربية ..!  

وهو زعم ينطلق من فكرة عدم تعيين رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – لخليفة من بعده، وهذا دليل دامغ على ضرورة اجتهاد المسلمين في آلية اختيار وتعيين من يحكمهم، وهذا دليل – أيضاً – على أن ولاية العهد بحسب التاريخ الإسلامي ليست أكثر من انحراف مدروس، وخرق لمبدأ تداول السلطة في المجتمع الإسلامي، الحافل بصور الاستبداد غير العادل ..! 

ولعل التاريخ السياسي للمجتمعات “العرب إسلامية” يدور في مجمله حول نجومية الأفراد وكاريزما الشخصيات القيادية، في ظل غياب المؤسسات السياسية. فهو يحفل بحكايات الأبطال المخلصين الذين قادوا ثورات الإصلاح والتجديد، وشعوبهم تسير من ورائهم في إذعان وحبور، كالمريدين في حضرة أصحاب الكرامات ..!

وهذا هو الافتراض الذي يناقشه كتاب “المستبد العادل” للدكتور محمد عفيفي، والمصطلح يرجع إلى الشيخ محمد عبده الذي كتب إلى الجامعة العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر، مقالاً شهيراً بعنوان “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”، شجب فيه دعوات المنادين بتأسيس أنظمة حكم ديمقراطية – على غرار الحكومات الغربية – وأكد من خلاله على أن المجتمعات العرب إسلامية  بحاجة إلى مشروع تربوي، سياسي، في المقام الأول، قبل أن تستطيع الجزم بأهليتها للممارسة الديمقراطية ..!

بعد الشيخ محمد عبده جاء آخرون طوروا الفكرة، واشترطوا لنجاحها أن يكون الاستبداد العادل مجرد وظيفة مؤقتة، في مرحلة محددة، تنتهي بتحقق الإصلاح السياسي والنهضة الاقتصادية. وقالوا بأن إمكانية التحول الديمقراطي بعد الثورات تتوقف على كون الديمقراطية نفسها أحد أسباب الثورة وأهم مطالبها. إذ لا ضمان بشأن تحقق عملية التحول الديمقراطي في ظل محاولات القوى السياسية غير الديمقراطية لتسخير مكاسب الثورات لمصالحها الخاصة. أو أن تحول الثوار أنفسهم إلى طغاة وأباطرة بعد وصولهم إلى السلطة. فتكون الديمقراطية – في هذه الحال – مثل عود الكبريت الذي يضيء وصولهم إلى السلطة ثم ينطفئ لتوفير أسباب بقائهم ..!

ربما لذلك، جازَ لنا أن نقول بأن ما يحدث في سودان ما بعد الثورة من تداعيات – حتى الآن – ليس أكثر من مرحلة انتقالية نحو وضع سياسي جديد. هو نقلة لا بأس بها نحو الديمقراطيّة، لكنه ليس انتقالاً ديمقراطيّاً، بالمعنى الكامل، المنشود ..!

منى أبو زيد

munaabuzaid2@gmail.cm

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock