ما بعد السيادي والحكومة..؟

الجميعُ ينتظر… ما بعد الخطوات الإجرائية بتكوين المجلس السيادي وأدائه القسم، وتعيين رئيس الوزراء الذي يُنتَظر منه أن يُجري على الفور مُشاوَراته لتشكيل الحكومة التي يجب ــ كما وعد شريكا الحكم ــ أن تكون حكومة كفاءات وطنية مستقلة مشهود لها بالخبرة والتجربة والنزاهة والحياد، حتى تؤدي واجباتها على الوجه الأكمل دون تأثيرات من هذا الطرف أو ذاك، وهي مهما كان… حكومة فترة انتقالية تؤسس لمرحلة التحوّل الديمقراطي الحقيقي بقيام الانتخابات بعد ثلاث سنوات، فلو تعثّرت مؤسسات الحكم خلال الفترة الانتقالية لانهار البناء كله، وسيتراجَع الأملُ كثيراً في بلوغ السودانيين بوطنهم إلى ذرى السلام والأمن والطمأنينة والتبادُل السلمي للسلطة، وترسيخ نظام ديمقراطي تعدُّدي مستدام.

يُنتَظر من المجلس السيادي وفق صلاحياته وسلطاته ومجلس الوزراء الذي وجد تفويضاً أكبر وصلاحيات أوسع، أن يبدأ البداية الصحيحة دون أن يغرَق في القضايا الانصرافية التي تُعمّق الجراح ولا تجعلها تندمل، فالأولويات واضِحة وضوح الشمس لا يحجُبها حاجِب، هي تحقيق السلام بأعجل ما تيسَّر، ووقف الحرب فوراً، ومعالجة الأزمة الاقتصادية المُستَحكِمة التي تتفاقَم يوماً بعد يوم لخلل قديم في بنية الاقتصاد الوطني. فقبل أن يجُر السياسيون والناشطون المجلس السيادي والحكومة إلى القضايا الخلافية التي تقود للاستقطابات الحادة والشؤون الثانوية تحت مُبرّرات واهِية، لابد من تحديد الأولويات بسرعة والعمل عليها، فقد شبِع الشعبُ من الشعارات السياسية ومحاولات تصفية الحسابات، وإثارة الشكوك والغبار، فالعمل على تعويض المواطنين عن الوضع المعيشي القاسي والمُنهِك والمُهِلك بأوضاع أفضل وتوفير الخدمات والاحتياجات الضرورية والأساسية، مُقدّم على غيره من المطالب الأخرى.

سيخرُج غداً بمجرّد تشكيل الحكومة من يُطالبها ويضغط على رئيس الوزراء لتفريغ نفسه من أجل الشعارات الهائِجة والطائشة التي رُفِعت باسم الثورة والثوار مثل أوهام تصفية الدولة العميقة أو إلغاء القوانين وسن تشريعات انتقامية أو أشياء من هذا القبيل، فهي لا تفيد في سبيل بناء أمة كانت على وشك السقوط في مستنقع النزاع والانهيار، تُبنى الأممُ والشعوبُ والدولُ ببناء الثقة وتعزيز فرص التلاقي الوطني وتعمير ما خُرِّب، وتضميد ما يَنزِف، فلو لجأت حكومة السيد حمدوك للتعامُل مع قضايا البلاد كناشط سياسي تعميه أجندته عن الرؤية السليمة ستنتكِس البلاد إلى ما هو  أسوأ سياسياً واقتصادياً، فالحكومة مُطالَبة بوضع برامِجها العاجِلة والإسعافية من أجل الاقتصاد والخدمات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فعليها توفير جهدها من أجل البناء والمستقبل وليس فقط من أجل تهدئة خواطر المًحتجّين والناشطين السياسيين، فجلبُ المصالِح اليوم مُقدَّم على أي شيء آخر.. ونقول ذلك، لأن السنوات الثلاث ليست فترة طويلة ستمُرّ سريعاً، فلو لم تُقدِّم الحكومة الانتقالية إنجازاً ملموساً يُلامس هموم الناس الحقيقية وتطلُّعاتهم البسيطة في حياة كريمة تتوفّر فيها الخدمات والاحتياجات دون عنَت ومشقّة، ويشعرون فيها بكرامتهم الإنسانية وبالعدل والإنصاف والسلام، سينقلب الرأي العام كله ضد الشعارات التي رُفعت ومؤسسات الحكم التي قامَت والوجوه التي تقدّمت لتحمّل المسؤولية الوطنية.

كل هذا مَدعاة للسيد رئيس الوزراء أن يُعيد النظر كرة وكرتين، ويُفكر ألف مرة في اختيارات حكومته التي سيكوّنها، عليه ألا ينساق فقط ويبصم بالعشرة للتحالُف السياسي  الذي رشّحه، فذلك شيء، وتحّمل المسؤولية المباشرة شيء آخر، فلو لم يُحسِن الاختيار ويأتي بالكفاءات ذات الدراية والخبرة والقُدرة على العطاء، سيضيع جهده وجهد الآخرين هباءً، ولن يتحقّق لوطننا وشعبنا ما يصبو إليه، ستُكرر ذات الأخطاء، وسيُنسَب كل فشلٍ لرئيس الوزراء الذي سبقته سُمعته وثقة الناس فيه، وسيَفِرّ من حوله الحلفاء السياسيون ومن يدّعون أنهم أتوا به ويتركونه يواجه أسئلة الشارع وعلامات الفشل إن حدَثتْ لا قدَّر الله.. عليه بحُسن الاختيار لطاقمه التنفيذي، وعليه بأولويات واضحة وعملية وواقعية، ولا يجري خلف السراب السياسي الخادِع…

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock