القلم السيال- على اتبرا- تشاؤل 2

قبل حوالي خمسة عشر شهراً كتبت تحت العنوان أعلاه مقالاً وكنت أعني بـ(التشاؤل) اختلاط حالتي (التشاؤم والتفاؤل) في أمرٍ واحد، بوقتٍ واحد، لدى شخص واحد.

   *(نجرت) هذا المصطلح قبل أن أقرأ عبارة مشابهة للفيلسوف الإيطالي غرامشي Gramsci هي عبارة مختصرة تنطبق على حالنا اليوم ترجَمَتُها: (تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة)، فالقارئ الذي يمعن النظر وينعمه في الحالة السودانية، ويُقَلِّبها بين طيات الذاكرة فيستعرض أحوال الشعوب العربية والأفريقية التي مرت بمثل حالنا لا يجد إلا التشاؤم.

   * وإذا سألنا: إذن من أين يأتي التفاؤل وأي واقع يشير إلى ذلك؟! الإجابة نجدها عند النظر إلى إرادة شباب الاعتصام في التغيير، فهي إرادة إذا توفرت لها آليات تحويلية توجِّهُها إلى صناعة قواسم مشتركة بين الرأي والرأي الآخر. ثم إذا فتحت لها مسارات تحويل الإرادة إلى فعل منتج، وهي قوى تمتلك معلومات وافرة. بجانب إرادة التغيير لدى القوى الصامتة وهي قوى ذات مدارك واسعة. مضافاً إليها إرادة القوات النظامية ممثلة في المجلس العسكري الانتقالى الذي يسعى لحفظ شوكة الميزان بالوسط. بجعل هذه الإرادة قسماً وطنياً مشتركاً فإن الطاقة الإيجابية ستتصاعد وتتسامى وتصنع السلام والاستقرار والنماء. ويبدأ ذلك بحفظ الأمن والسعي للخروج من حالة الاحتقان وحفظ شوكة الميزان بين يسار متعطش ويمين متطرف. يسار متعطش للسلطة ومستعجل لاستلامهما ليس لتنفيذ برنامج وطني يكون شاهداً على أفضليته؛ ولكن لتمكين نهج إقصائي انتقامي يقود البلاد إلى انفجار بركاني ظللنا نحذر منه.. ويمين متطرف يَرَى بعضُه أنه هو الدين الخالص؛ بينما كسبه هو تدين فيه بعد عن الحاكمية المُنْتَصِفة للناس من نفسها قبل بحثها عن حظها من الدنيا.

   * ويكمن الخطر في التمترس خلف الآيدولوجيا. وهو ما لخصه الفيلسوف جورج لارين بعبارته الصريحة المُفْصِحَة التي تقول: (في الآيدولوجيات نتائج المعرفة مزيفة بسبب العواطف والمصالح والميول والدوافع)، فأي تجديف بالآيدلوجيا بعد التجديف الذي مارسه النظام المحلول وأي تزييف للمعرفة بعد تزييف تجمع المهنيين وتجييره إرادة شباب الثورة لأحزابه؛ أحزاب (قوى إعلان الحرية والتغيير)؟!! وهي التي لم ينتمِ الشباب الثائر إليها يوماً من الأيام، بل قد لا يعلمون  شيئاً عن مَنْشَئِها ولا عن أهدافها وربما لم يعرفوا أسماءها أو أسماء رؤسائها قبل الثورة!! وعليه فحالة (لا أريكم إلا ما أرى) ستنقشع بمرور الأيام ويرى الناس بأعينهم لا بعيون النخب المؤدلجة.

   * والقول الفصل هو أن تجمع المهنيين ليس هو الثورة لكنه أفلح في تمويلها؛ من أين؟! من نفس المصادر التي تدعم (خيار) أهل السودان و(جزرهم) و(جرجيرهم)!! وقول ليس بالهَزْل هو أن (الكيزان) ليسوا هم الدين لكنهم أصبحوا (تختة) يُرمَى برميها الدين!! ولن يستمر تزييف المعرفة بالآيدولوجيا؟! ولن يترك أهلُ الاعتدالِ الوطنَ يسير في طريق اللاعودة وكفانا الله شر القوى الدولية والإقليمية التي تصب الزيت على نار الآيدولوجيا المناوئة للمعرفة ببذل الدعم المشروط وإيهام كل طرف أنه سيحقق نصراً ساحقاً على الطرف الآخر ليستمر الحريق.. ولكن أهل السودان لا زالوا حتى الآن يقدمون الدروس المجانية في مادة التَمَيُّز.

مقالات ذات صلة

إغلاق