العملاء والبنوك.. البحث عن الثقة المفقودة

جمعة عبد الله .. مروة كمال

مع استمرار أزمة القطاع المصرفي بسبب تراجع عمليات الإيداع في البنوك من قبل المودعين والتي نتجت عن صعوبة حصول المودعين على أموالهم، سعت الحكومة لحل المعضلة، وجرب بنك السودان المركزي عدداً من السياسات لم تفلح أي منها في الحل، وتمثلت آخر الحلول في أمر طوارئ أصدره رئيس الجمهورية، المشير عمر البشير بحظر تخزين العملة الوطنية.

وجاء هذا الأمر بعد تجريب الاجراءات الأمنية وكثير من سياسات البنك المركزي،  في وقف تجارة العملة، دون جدوى، فما تزال تجارة العملات رائجة، وإن كانت  بشكل خفي بسبب الطوارئ، وما تلاها من أحداث في سوق النقد المحلي والأجنبي.

موجهات المركزي

عقب تلك الموجهات، سارع بنك السودان المركزي بإعلان ترتيبات وخطط جديدة لتدارك المشكلة، فأعلن البنك المركزي استعداد المصارف لاستقبال التدفقات النقدية من العملاء، وزيادة ساعات العمل اليومية، وتبسيط إجراءات فتح الحسابات الجارية والإدخارية وحسابات الاستثمار، مؤكدًا استعداد المصارف لتقديم كافة الخدمات المصرفية من سحب وإيداع وكافة خدمات الدفع الإلكتروني.

وجاءت تلك الموجهات في أعقاب أمر الطوارئ الخاص بحظر تخزين العملة الوطنية الذي أصدره رئيس الجمهورية مؤخراً، ما يعني أن المركزي يتوقع أن يلجأ المواطنون إلى المصارف تفادياً للعقوبات التي تترتب على الاحتفاظ بالنقود في المنازل أو المتاجر، بعدما أصبح ذلك مُجرَّماً بالقانون الذي حدد مليون جينه فقط للشخص، وخمسة ملايين للشخصيات التجارية والاقتصادية.

يظل التحدي الآن أمام المودعين، ويظل التحدي الأكبر أمام المصارف التي تحتاج جهداً كبيراً لإعادة الثقة مع عملائها.

 ولعل القرار يحتاج أيضاً مزيداً من الجهود من بنك السودان لتوفير مزيد من النقد، هذا إضافة لحملات التوعية الفقهية بوسائط الإعلام المختلفة، والتأكيد على حرمة تخزين النقد وبيعه كسلعة وفقاً للشرع قبل أن يحرمه ويمنعه قانون الطوارئ.

*النقد أصبح سلعة تباع وتشترى

ويرى نائب رئيس غرفة المستوردين باتحاد الغرف التجارية، د. حسب الرسول محمد أحمد، أن تخزين النقد بعيداً عن المصارف يعتبر واحدًا من أهم العقبات التي واجهت الاقتصاد السوداني بصفه عامة والمصارف التجارية وقطاعات أصحاب العمل بصفة خاصة، مؤكدا “للصيحة” التأثير سلباً على جميع قطاعات الأعمال الإنتاجية والتجارية والخدمية، مما انعكس ذلك على المواطن الذي يقف في الصفوف لساعات عديدة يبحث عن نقد من حسابه الخاص ليسدد بعض احتياجاته الحياتية البسيطة، مشيراً الى أن هذه الظاهرة السلبية نتجت  بعد أن قيدت المصارف  السحب نتيجه لشح السيولة.

 وقال إن الوضع تفاقم بفعل فقدان الثقه تدريجياً بين المصارف والمودعين خلال الثلاثة أشهر الماضية. وأقر بفشل معظم  المحاولات لإعاده النقد للبنوك. وأضاف بأنه رغم مبادرة إيداع التي أطلقها أصحاب العمل كانت فرصة لإعادة الثقة، إلا أن هنالك العديد من التحديات التي واجهتها متمثلة في  ظهور سعرين للسلعة الواحدة، وتذبذب أسعار النقد الأجنبي بالنقد وبالشيك، حيث بات النقد سلعة تباع وتشترى، ويتم تخزينها وبيعها لمن يدفع أكثر رغم مخاطر التخزين، جازماً بأن هذا الفعل هو الربا الصريح دون غيره، لافتاً إلى أنه في ظل  الوضع الحالي غير المقبول والمحرم شرعاً، كان لابد من إصدار قرارات تعيد الأمور لنصابها حفاظاً على مصلحة البلاد العليا وحتى لا يتضرر المواطن وتتضرر القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية وينكمش الاقتصاد لضعف دوران رأس المال وتحويل الأنشطة إلى معاملات ربوية وتجارة هامشية لا تضيف للاقتصاد فرص عمل أو إنتاج سلع أو خدمات أو إضافه قيمة مضافة بفعل التصنيع أو إنتاج سلع للصادر أو استخراج معادن أو تصديرها، وبدلاً من ذلك أصبح النقد سلعة تخزن وتباع لتخزن مرة أخرى.

*القرار صحيح

حسب الرسول أوضح أن قرار الطوارئ بمنع تخزين النقد جاء تصحيحاً للمسار،  وحماية النقد من التلف والإهلاك لتبقى النقود وسيلة وليست سلعة، خاصة أن القرار جاء متزامناً مع توفير  وإصدار مزيد من النقد، لاسيما الفئات الكبيرة، واعتبر أن القرار يصب أولاً في مصلحة الاقتصاد القومي، وفرصة لإعادة الثقة بين المصارف والمودعين وتلبية لاحتياجات المواطنين البسيطة و محفزاً للأنشطة الاقتصادية وقطاعات أصحاب الأعمال جميعها، فضلا عن أنه يساعد في الحد من الظاهرة الربوية حتى لا نأذن بحرب من الله ورسوله.

واعترف بأنه يظل التحدي حالياً أمام المودعين، إضافة الى التحدي الأكبر أمام المصارف التي تحتاج جهدًا كبيراً لاعادة الثقة مع عملائها، ونوه إلى أن  القرار يحتاج أيضاً مزيداً من الجهود من بنك السودان المركزي  لتوفير مزيد من النقد، هذا إضافة لحملات التوعية الفقهية بوسائط الإعلام المختلفة، والتأكيد على حرمة تخزين النقد وبيعه كسلعة وفقاً للشرع قبل أن يحرمه ويمنعه قانون الطوارئ.

متمنياً أن تكلل بالنجاح الجهود الرسمية والجهود الشعبية التي يقودها اتحاد عام أصحاب العمل باتحاداته القطاعية والولائية للتوعية لكل المتعاملين والمودعين.

إعادة الثقة بين البنوك والمصارف

 ويرهن الخبير الاقتصادي، د. التجاني حسين استعادة  الثقة بين المصارف والجمهور بتوفير النقد في البنوك وفي الصرافات الآلية بالشكل الذي يمكن المواطنين من سحب  أموالهم  في أي وقت يريدون وبالكيفية التي يرغبونها، منوهاً إلى ضرورة وجود خطوات جادة باتجاه الانتقال الى المجتمع اللانقدي عبر استخدام وسائل الدفع الإلكتروني المتمثلة في البطاقات المصرفية والمحفظة الإلكترونية والدفع عبر نقاط البيع باعتبار أن هذه الوسائل تقلل من تداول الكاش خاصة وأن العالم قاطبة  يمضي نحو هذا الاتجاه لجهة أن حمل النقود أو الاحتفاظ بها في المنازل يعرضها للمخاطر مثل الضياع والسرقة، فضلاً عن ارتفاع تكلفة طباعة النقود، وقال “للصيحة” إنه من المعروف أن العملة الورقية يمكن أن تكون ناقلة لبعض الأمراض، وعليه فهنالك حاجة ماسة إلى العمل من أجل نشر وسائل الدفع الإلكتروني وإلى توعية المواطن بشأن كيفية استخدامها وخاصة الدفع عبر الموبايل لجهة أن السودان معروف عنه أن مواطنيه أغلبيتهم يقتنون الموبايلات ويستخدمونها، وهنالك دول في أفريقيا وصلت فيها نسبة استخدام الموبايل في الدفع كبديل للكاش ما يقارب 80%.

ويربط التجاني حل مشكلة السيولة بان يتمكن القطاع المصرفي من جذب الكتلة النقدية الموجودة في أيدي الجمهور، لأن المواطنين في فترة من الفترات قاموا بسحب جزء كبير من ودائعهم من البنوك لتحويلها لدولارات وعقارات حتى لا تتدهور قيمتها، وقد أثر ذلك على وجود السيولة النقدية لدى المصارف.

 *بين الثقة والخوف

فيما  قال وكيل أكاديمية السودان للعلوم المصرفية والمالية،  د. علي خالد محمد أحمد الفويل لـ(الصيحة)، إن منع تخزين العملة لا يعيد الثقة في المصارف بالعكس تماماً فالمودع يكون مجبرا ًبقانون الطوارئ، وقال الفويل كان الأجدى كسب الوقت والزمن في ابتكار آليات تشجع وتحفز على جذب الكتلة النقدية للنظام المصرفي تجعل المودعين يودعون أموالهم عن طيب خاطر.

وأضاف: لا توجد ثقة تنبني على الخوف والعنف.

*الاجراءات ليست بديلاً للإصلاح

ويرى المحلل الاقتصادي، د. هيثم فتحي، أن الإجراء قد يحقق بعض الحل الوقتي لمشكلة توفر الأوراق النقدية، ولكنه لا يستهدف جذور المشكلة بكل أبعادها الكامنة والظاهرة، وقال لـ “الصيحة” إن الإجراءات الإدارية والأمنية قد تكون مطلوبة في وقت معين ولمرحلة مؤقتة لدعم تنفيذ برنامج الإصلاح، لكنها ليست بديلاً للبرنامج نفسه الذي يعتمد على حزمة من السياسات المالية والنقدية، وقال إن الإجراءات الأمنية يفترض أن تكون داعمة لعودة الثقة للجهاز المصرفي من قبل التجار والمواطنين.

*وصفة الحل

الخبير الاقتصادي د. عبد الله الرمادي يرى  أن الحل الناجع لشح السيولة النقدية يكمن في توفير الكمية الكافية من النقود حتى يتم إشباع النهم الذي يعاني منه السوق والهلع، مؤكداً أن الحل يكمن في أن يحصر البنك المركزي ما تبقى للجمهور من ودائع لدى البنوك، ويوفر فوراً ما يغطيها زائداً 20 إلى 30%، وأضاف: إذا سحب الجمهور كامل ودائعه بالبنوك وهذا من حقه ومتوقع نتيجة الهلع، يتبقى بالبنوك والصرافات الـ20 أو الـ30% الزائدة كفائض، وفي هذه الحالة سوف تختفي الصفوف وسيتوقف السحب لأن الجمهور لم يعد لديه ما يسحبه من البنوك، وفي غضون أسابيع سيطمئن الكل ويذهب الهلع ويبدأ البعض بإرجاع ولو جزءاً من مدخراتهم للبنوك، دون حاجة للإجراءات القسرية ومنع الأفراد حفظ أموالهم في خزنهم الخاصة، وهذا حق مشروع لكل مواطن ولا ينبغي التضييق عليه.

*دعوة  للمعالجات

ويتفهم الخبير المصرفي، بسوق الخرطوم للأوراق المالية، د. طه حسين، تدخل الدولة لوقف أي ممارسات سالبة تضر بالاقتصاد القومي، ومنها انتشار ممارسات المضاربات وتجارة العملات وتحديد أسعار مختلفة للسلع للكاش والشيك، لكنه يرى أن معالجة هذه الاختلالات يستحسن أن تتم وفق عوامل اقتصادية وليست قسرية، ورهن نجاح التدابير الحكومية الأخيرة بوقف الممارسات السالبة في المضاربة بالعملات وإحداث الاستقرار في سعر الصرف، وقال “إن لم تتوقف الممارسات السالبة يصعب الحل الجذري”.

وقال طه لـ “الصيحة”، إن توريد مبالغ العملاء للبنوك يقتصر الحل بيد البنك المركزي الذي عليه توفير الكاش للمودعين وضمان العملاء  حقوقهم، وتسهيل سحب أي مبلغ ، موضحاً أن السياسات النقدية السائدة لها دور في حدوث هذه الاختلالات وما تلاها من تعقد الأمور وصعوبة المعالجة، وقال إن المبالغ الكبيرة تقتصر الحاجة إليها على قطاعات محددة وليس كل المواطنين، وبالتالي فتسهيل السحب وتفعيل أنظمة السداد الإلكتروني كفيل بإزالة مخاوف المواطنين ودفعهم تلقائياً للجوء للقطاع المصرفي كأضمن آلية لحفظ المال.

وانتقد حسين تنامي ممارسات بيع الممتلكات الكبيرة عبر الكاش، مشيراً إلى أن شراء السيارات والعقارات بالكاش كان سائداً لسنوات طويلة وحتى قبل بروز الأزمة الحالية، علاوة على ضعف دور الدولة في مراقبة الأسواق مثل اشتراط بعض التجار بيع منتجاتهم بالكاش فقط ومنها سلع غالية مثل مواد البناء التي يتجاوز سعر طن الحديد منها على سبيل المثال “70” ألف جنيه، وهي عملية تجارية كان من اليسير إكمالها بالسداد إلكترونياً.

علاوة على إجراءات الطوارئ الأخيرة، دعا حسين لالتزام المؤسسات الحكومية بتحصيل الإيرادات الخاصة بها داخل النظام المصرفي، واتباع سياسات نقدية أكثر مرونة وسهولة تؤدي لتطمين المواطنين وتشجيعهم بدلاً من بث القلق في نفوسهم مما يعقد المشكلة أكثر مما هي عليه، موضحاً أن تقييد الاحتفاظ بالأموال لا يعتبر حلاً اقتصادياً نهائياً بقدر ما هو حل آني لحين استقرار الأوضاع، شريطة الاستمرار في معالجة الأخطاء السابقة والسعي الجاد لإعادة الثقة في القطاع المصرفي وتمكين العملاء من السحب من ودائعهم بسهولة ويسر حتى يتواصل الإيداع بشكل مستمر.

مقالات ذات صلة

إغلاق