الخرطوم … النفايات تُحاصر (العاصمة) “6” آلاف طن حجم النفايات اليومي بالولاية

الأسر: أطفالنا ضحايا ويتنفّسون “أول أكسيد الكربون”

اقتصادي:(4 ) آلاف طن من النفايات عبارة عن بقايا أطعمة

خبير بيئي: يجب سن قوانين وتطبيقها بصرامة

مجلس البيئة: تراجُع (الخط الأخضر) أثّر سلباً على البيئة

مواطن: هذه قضية شائكة ومعقّدة و(الله يرحم الخرطوم)

خبراء: الأسر تتحمل مسؤولية رمي القمامة في الشوارع والمجاري

 

الخرطوم: إنتصار فضل الله

تصوير: محمد نور محكر

في وقت تتضافر فيه الجهود بالعاصمة السودانية الخرطوم، من أجل خلق بيئة خالية من التلوث، وما يتواتر عن برامج وسياسات تهدف للحد من انتشار النفايات، يلهج لسان آلاف القاطنين من سكان الأحياء بمحليات العاصمة بالدعاء أن يقيهم الله شر الأوبئة، فحجم النفايات المنتشرة في الشوارع وعلى الأرصفة ومجاري المياه وأمام المنازل والمستشفيات باتت شبحاً يهدد الحياة، بل هي أزمة ناتجة عن أهمال يشكل خطراً على الصحة والبيئة أيضا، كما يؤكد عدد من المواطنين أنه لم تعد بعض المناطق السكنية تملك أي مظهر حضاري لما يصفه حالها من انتشار كثيف “للأوساخ” المنزلية.. فأياً كانت الأسباب فإن مهمة إيجاد حل جذري أصبحت أكثر ضرورة أمام تأثير الظاهرة على الإنسان والبيئة من حوله.

 

مخالفة إنسانية

روائح كريهة يستنشقها المواطنون قاطبة، فالأرض هناك وكما وثقتها كاميرا “الصيحة” تفترشها كميات هائلة من النفايات تقدر بآلاف الأطنان، فالتلوث الذي تخلفه لم يطل بني الانسان فحسب بل انعكس على تلوث البيئة جراء الحرق المتواصل الذي تتأذى منه حتى الحيوانات، واستنكر بعض المواطنين من مناطق مختلفة التقتهم “الصيحة” في الشارع العام،  تواجد النفايات على امتداد شوارع (الظلط) الرئيسية والفرعية بهذه الصورة، وأكدوا متابعتهم مع الجهات الحكومية وتقديم الشكاوى، غير أنه لا حياة لمن تنادي، فيما تقول بعض الأسر إن أطفالهم يلعبون أمام منازلهم وفي الميادين الصغيرة الموجودة داخل الأحياء التي امتلأت بأكوام النفايات والقمامة التي حولتها لـ”كوش” والتي أصبحت مرتعاً للناموس وبيئة خصبة لتوالد الذباب والفطريات، وأن  أبناءهم يستنشقون عنصر “أول أكسيد الكربون” الناتج عن حرقها الذي يتم أسبوعياً، ما يتسبب في الاختناق وصعوبة التنفس لدى الكثيرين خاصة الذين يعانون من إشكالات صحية في التنفس وأمراض الصدر والربو، وأشاروا إلى أن عملية الحرق يقوم بها السكان أنفسهم، مناشدين عدم رمي الأوساخ وسط الأحياء ووصفوا ذلك بالسلوك السيئ .

سلوك غير حضاري

مشاهد لا تخلو منها شوارع العاصمة، نفايات أصبحت جزءاً من الشكل العام المألوف جداً، تؤكد عدم احترام البعض لأماكن وضعها ومواعيد إخراجها،  زاد من تفاقم الوضع وجعل المواطن المتهم والضحية في آن واحد، فوضعية العاصمة كما يراها المهندس عبد العظيم أحمد، باتت تعكس سلوكيات لا حضارية، زادت من صعوبة سيطرة السلطات المحلية على النفايات ببعض المواقع.

فيما عجز المواطن إبراهيم جعفر عن وصف المشهد، واكتفى بالقول “الله يرحم الخرطوم”. وتقول عوضية أحمد، بمحلية الخرطوم، إن عقولهم تكاد تنفجر من حجم النفايات بالإشارة إلى بيئة الأسواق ومواقف المواصلات، وأكدت صعوبة التعايش مع النفايات داخل الأحياء السكنية، وأفاد المواطن الريح عابدين، بأن قضية النفايات ليست حديثة، وأن القضية تمت مناقشتها على مستوى الولاية ولكن الحقيقة أن هناك الكثير من علامات الاستفهام، لأنه حتى اليوم لا يعلم ماذا تريد هذه المؤسسات، وكيف تنظر لهذه القضية، وتابع: ” للأسف الشديد طالت الوعود وأصبح الأمر أكثر تعقيداً، وأكد أنهم ليسوا ضد المشاريع الحيوية والتنموية، ولكن ضد الوضع المزري الذي وصلت إليه الخرطوم، متمنياً الإسراع لحل هذه القضية الشائكة والمعقدة.

مواد ضارة

لا بد من الإشارة هنا إلى أن النفايات عبارة عن مواد لم تعد مفيدة بعد إن تم استخدامها لمرة واحدة  أو لعدة مرات، أو هي مواد نتجت عن عملية معينة سواء كانت بيلوجية أو صناعية، وفي حال عدم التعامل معها بشكل ملائم تشكل خطراً على صحة الإنسان بشكل مباشر، وتهدد البيئة، كما يقول د. عثمان النور الخبير في مجال التنمية المستدامة، الذي صنف لـ “الصيحة” تصنيفات متعددة للنفايات حسب خطورتها، منها الحميدة وهي نفايات غير ضارة ولا يؤدي تواجدها في البيئة إلى أضرار كبيرة، ويمكن التخلص منها بكل سهولة، ولكنه حذر من تركها أكثر من أسبوع مما ينجم عنه توالد الفطريات المسببة للأمراض، ومنها الخطرة التي تحتوي على الكثير من المواد الضارة وتؤثر على البيئة كالمواد المعدنية والإشعاعية التي تشكل خطراً كبيرًا جداً، وهي تنتج من بواقي المخلفات الصناعية والكيماوية وبعض المخلفات الناتجة عن العمليات الزراعية، التي يتم التخلص منها بشكل عشوائي جداً بعيداً عن الضوابط والرقابة.

 

المواطن في قفص الاتهام

سلوك المجتمع في التعامل مع النفايات وصفه الخبراء بـ(الجهل) الناتج عن التبذير، وحملوا الأسر مسؤولية رمي القمامة في الشوارع والمجاري، وتركها أمام المنازل عرضة للبعثرة بفعل الكلاب الضالة والرياح التي تحمل روائحها النتنة لتصيبهم بالأمراض، وطالبوا بضرورة محاسبة المجتمع قبل الدولة في التعامل مع ملف النفايات الذي وُصف بالحساس، وذلك عبر الترشيد في التعامُل مع المواد المستهلكة بشكل عام، مما يقلل من حجم الناتج اليومي منها، ليأتي دور الدولة في حملها والتخلص منها بشكل سليم بعيداً عن المناطق السكنية والأسواق وغيرها من المنشآت، مع الالتزام بتحقيق العدالة في تقديم الخدمة.

وحول ازدياد نسبة النفايات بالحجم الذي نراه، وفي السياق عزت الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم، الأسباب إلى ازدياد السكان بالعاصمة وسوء السلوك المجتمعي في التعامل معها، إضافة إلى الخلل في ثقافة الإنتاج التسويق والاستهلاك، وطالبت أن  يستهلك الفرد ما يحتاج إليه وأن يعمل جاهداً لأن يصبح من أصدقاء الصحة والبيئة والاقتصاد، وأن يشتري ما يحتاجه بشرط أن يستهلكه كاملاً، الأمر الذي يُساهم في ترشيد عملية الاستهلاك والمخرجات من النفايات التي ستنخفض كمياتها، وبالتالي تسهل عملية فرزها مستقبلاً، واعتبرت معالجة النفايات سلسلة مترابطة ببعضها البعض، تعتمد على الثقافة المستدامة التي يجب أن تدخل فيها كل فئات المجتمع ومؤسساته، وأن تساهم في إيجاد الحلول لها، وتؤكد أن النفايات المنزلية التي ترمى في الشوارع وعلى الطرقات، وفي الصناديق والحاويات بشكل يومي، تشكل عبئاً كبيراً ومشوّهاً أساسياً للشكل العام، ويزيد سلوك المواطنين في التخلص من تراكمها ويضاعف الأمراض الناتجة عنها.

أعداء البيئة

الدكتور منصور بلة، الخبير في مجال البيئة، دعا إلى سن قوانين وتطبيقها بكل صرامة على المخالفين أعداء البيئة، وأن يبدأ تطبيقها على المطاعم ومحلات الأطعمة العشوائية، وأضاف أن القضية  بحاجة إلى تطوير البنية التشريعية والاستثمار في المسؤولية المجتمعية والثقافية والوعي الذي يطال الجميع، للتخفيف من مخاطر الأثر البيئي والصحي الناتج من النفايات، مشيراً إلى أن الخرطوم تتعرض لأزمة حقيقية من النفايات أثرها بالغ وواضح، وأنها بدأت نتيجة لعدم وجود خطط بيئية مستدامة لإدارة القطاع والفرز الذي يتم بطريقة بدائية جداً في المرادم، وطالب بإيجاد خطة لفرز النفايات من المصدر قبل نقلها، مع العمل على توعية المواطن بحجم المخاطر الممكنة، فلا بد من التعامل مع الأسباب من منظور أن المجتمعات تُعرَف من نفاياتها، فما يتم جمعه من مخلفات يوضح  ثقافة واقتصاد المجتمع، وهذا مؤشر للواقع ومؤشر للإنتاج والاستهلاك، ومؤشر اقتصادي خطير.

 

أطعمة وفضلات

تقارير إعلامية سابقة صادرة من مجلس البيئة، أوردت أن مقدار كميات النفايات التي تخرج من المنازل بمحليات الولاية مختلفة تبلغ حوالي “6” آلاف طن يومياً (90%) منها عبارة عن بواقي الأطعمة والفضلات، فيما تبلغ قيمة النفايات المستخلصة من المطاعم حوالي (1700) طن، وهناك أكثر من (3) آلاف طن صادرة من المستشقيات والمؤسسات والمصانع وغيرها من المنشآت الأخرى، وكشف خبراء في البيئة أن (50%) من النفايات يتم حرقها داخل الأحياء وفي الشوارع العامة بشكل يومي، مما يتسبب في تلويث الجو وتنتج عن ذلك أمراض سرطانية وغيرها من الأمراض المزمنة.

 

مخرجات سلبية

الأثر الأمني الاقتصادي الناتج عن انتشار النفايات،  يشير إليه  الخبير الاقتصادي عماد الدين محمد،  بقوله إن التحدي مع النفايات قائم في الجانب “الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والصحي والأمني”  بدليل أن هناك حوالي (4) آلاف طن من نفايات طعام، وهذه ترمى في المكبات يومياً وشهرياً في حين أن هذا الرقم إذا تم توزيعه على الأفراد الذين يموتون جوعاً سوف يكفيهم ويفيض، مما يؤكد على أن الإنسان قبل أن يصل إلى مرحلة الموت جوعاً، هناك تحدٍّ يواجهه ويصارع البقاء بتعامله مع الغذاء، فبالتالي هناك مخرجات سلبية كثيرة ترافق سلوك الإنسان، وهناك تحدٍّ أمني بسبب الجوع مع ازدياد خطر تفاقم الأزمة.

وقلّل عماد الدين من دور المحليات والمجلس الأعلى للبيئة بالحد من انتشار النفايات.

 

مبادرة “خط البيئة الأخضر”

ولتقييم الوضع البيئي مقارنة مع ما يوجد من حلول للمعالجة، طرقنا باب المجلس الأعلى للبيئة الجهة المنوط بها حل المشكلة، حيث أكدت داليا الحبر مدير الإعلام بالمجلس الجهود المبذولة من خلال الاستمرار في تنفيذ مبادرة “خط البيئة الأخضر” التي أطلقها والي الخرطوم بإشراف المجلس ورعاية الوالي، وهي بدأت في الأول من ديسمبر العام الماضي، وتلزم كل المحليات بتنفيذ حملة نظافة للأحياء كل يوم سبت، وأشار إلى أن ما يميز هذه المبادرة أن حملات النظافة تتم بمشاركة معتمدي المحليات وقيادات ووزراء معنيين بالملف.

وأشارت إلى أن المبادرة زادت من  مستوى النقل الأسبوعي إلى المحطات الوسيطة بنسب كبيرة جداً، وأشارت إلى استمرار العمل في بعض المحليات بالإشارة إلى جبل أولياء وأمبدة، مع تراجع  ظهورها في محليات أخرى

أخيرًا.

خطر يلوح في الأفق .. يقابله جهد بطيء اختصاراً لواقع  ينذر بحرمان عشرات الآلاف من قاطني المحليات من عيش طبيعي كريم، فالأهالي هناك ليس لهم سوى انتظار رؤية مستقبلية متواصلة تتبنّى طريقة التعامل مع النفايات على أسس آمنة لا تؤثر على صحة الإنسان.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق