الخليل بين العامية والعربية

الخليل بين العامية والعربية

   د. عبير كامل

مما لا شك فيه أن الشاعر السوداني الفذ خليل فرح بلغ شأواً بعيداً في القصيدة العامية، وقد سارت بقصائده الباهرة الركبان، وردد أهل بلادنا في إمتــاع كبير

عزه في هواك/ ما هو عارف قدمو المفارق/ في الضواحي/ الشرف الباذخ / فلق الصباح / تم دورو / يــــحيا الحب/ قوم نادي عنان / زهرة روما.

وقد أدهش البعض أن يبلغ هذا الشأن في كتابة الشعر من تــــــــــعلم العربية في المدارس، فقد ولد الخليل في جزيرة صاي بأقاصي شمال السودان مـن أسرة

محسية، وأكمل دراسته الأوليه بدنقلا، ثم جاء أمدرمان والتحق بكلية غردون(ورشة البرادين).

   لم يأبه النقاد كثيراً للشعر الذي كتبه الخليل بالعربية وربـــما رأى بعضهم أنه لا يعدو أن تكون محاولات، فالعامية هي المــــــجال الذي بـرع فيه وأجاد

أيما إجادة، وهذا رأي لا يخلو من صواب، إذ يبدو أن إلمام الخليل بالفصحى لم يكن مثل إحاطته الفذه بالعامية وربما فطن لذلك، فــــــــكان ما كتب بالفصحى محدوداً:

شفق تحت برقع الصبح أم         هذا ثقاب يشف ورد الخدود

وجبين النـــــــــهار أم غادة         من شعرها في سلاسل وقيود

وله:

وقف عليك وأن نأيت فؤادي       سيان قربك في الهوى وبعادي

يا دار عاتكتي ومهد صبابتي     ومــثار أهوائي وأصل رشادي

وله:

لا أكتم الحب في قلبي فيقتلني       ولا أنام وغيــــــــري للعـــلا راق

وبين جنبي نفس كلما طلعت     شمس على الكون تاقت غير مطراق

ترى البسيطة قبراً والعلا سكناً   والنجم زاداً وفوق الشمـــــس إشراق

لا غرو يا نفس أنت شــــــــاعرة       بما أحاطــك من قيد وأطواق

سيري فما في حياة المرء مكرمة     الزمن يوم وصـــــل بعد إخـــفاق

 هذا شعر لا بأس به ولكنه لا يعادل موهبة الخليل في شــــــعر العامية . وفي إنشاده المسجل لقصيدة عبدة ..(أعبدة لا ينسى مودتك القلب).. ينصب الشاعر المنادي .. أعبدة.. والأصح هنا الضم، والله أعلم.

   بلغ الخليل في نظمه بالعامية السودانية درجة عظمى مما لا يجعله يحتاج الى النظم بالفصحى ليضيف إلى شهرته التي عمت القرى والحضر في بلاده.

وقد كتب عشرات القصاىد ووضع لمعظمها الألحان ويصف هو كثرة ما نظم وقرأ من أشعاره بقوله:

         قل لي شن أبقيت للطوارق

       غير قليباً في همومو غارق

       وغير لساناً بردو الكلام

وخليل فرح ليس هو الشاعر الوحيد الذي كتب الشعر بالعــامية والفصحى وتفوق على نفسه في النظم بالعامية.

مقالات ذات صلة

إغلاق