التحرير الاقتصادي.. انفلات الاسواق ضرر على المستهلك

الخرطوم: جمعة عبد الله
تفاقمت فوضى الأسواق وانفلات الأسعار في السودان ما جعل الحديث لا ينقطع حول ضرورة مراجعة سياسة تحرير الأسعار التي تطبقها الحكومة منذ سنوات، وثمة شبه إجماع بين اقتصاديين وناشطين في قطاع الأعمال والاقتصاد على ضرر التحرير على العمل التجاري، ورغم ورود مطالبات صريحة منهم بمراجعة هذه السياسة، إلا أن الحكومة لم تصدر رداً فعلياً رسمياً حول هذه الدعوات.
تمثلت أبرز تبعات سياسة تحرير الأسعار في خروج الدولة كلياً من السوق، ويصف خبراء اقتصاديون هذا الخروج بالمنطقي، ولكن غير المنطقي هو “غياب الرقابة” على الأسعار بالأسواق، مع قصور الدور الرقابي لوزارة الصناعة والتجارة.
وكان رئيس الغرفة التجارية، حسن عيسى، قد طال في الأسبوع المنقضي بمراجعة سياسات التحرير الاقتصادي، ودعا للتعجيل في تقنين وضبط عملية الاستيراد، وقال إن رجال الأعمال والمستثمرين هم وحدهم من يستفيد من تلك القرارات.

 وبالمقابل أشار إلى أنها تساهم في تعميق أزمة الأسواق، مشيراً إلى أن التجار هم السبب الرئيسي في انفلات وفوضى الأسعار، ورهن معالجة ذلك بمراجعة سياسات تحرير الأسعار التي طبقت منذ سنوات.
وكانت وزارة المالية بالخرطوم، نفذت حملات لضبط الأسواق ومراقبة الأسعار، بيد أن هذه الحملات لم تستمر كثيراً، ولم تؤد الغرض المأمول بسبب عدم القدرة على تغطية ومسح جميع الأسواق.
وأقر مصدر بالوزارة، تحدث لـ “الصيحة” مفضلاً حجب هويته، أن الحملات الرقابية تحتاج لتكاليف باهظة تتمثل في وسائل نقل كافية، وكادر بشري مؤهل لتتمكن الوزارة من تغطية مئات الأسواق، وآلاف المتاجر، تتوزع على سبع محليات بالولاية.
وتشهد الأسواق موجة من الغلاء وارتفاع الأسعار شمل كل السلع دون استثناء، كان آخرها ارتفاع جوال السكر زنة “50” كجم من “1300” جنيه إلى “1700” جنيه، فيما تشهد كل السلع الاستهلاكية تذبذباً في التسعيرة، بحيث تباع بسعر مختلف بين يوم وليلة، علاوة على وجود سعرين للبيع “شيك – كاش” بسبب استمرار نقص الأوراق النقدية بالقطاع المصرفي وشح السيولة.
وبسبب انتهاج الحكومة لهذه السياسة سيطرت فئة قليلة من التجار والنافذين والرأسمالية على مفاصل العمل التجاري، وتفشت الممارسات الاحتكارية في السلع الرئيسية مثل السكر والاسمنت ومواد البناء ونسبة لا يستهان بها من قطاعات الاستيراد والتصدير.
فيما يرى الخبير الاقتصادي، د.عبد الله الرمادي، أن سياسات التحرير الاقتصادي هي السبب في كل ما يعانيه الاقتصاد من تردٍّ طوال السنوات الماضية، وقدم مقترحاً للحكومة بإلغاء سياسة التحرير كلياً حال كانت جادة في معالجات المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد السوداني منذ عقدين، قاطعًا بأن إلغاءها هو “أول خطوة في بداية طريق الحل الاقتصادي الشامل”.
وقال الرمادي لـ “الصيحة”، إن مشكلة الاقتصاد السوداني نشأت بموجب إجراء تم بناء على سياسة التحرير وهو “الخصخصة”، لافتاً إلى أن ذلك أدى لإفقاد الحكومة مؤسسات منتجة وحيوية مثل الخطوط الجوية السودانية “سودانير، والخطوط البحرية، والسكك الحديدية، والنقل النهري” وحل التعاونيات التي كانت توفر السلع للمستهلكين في الأحياء ومواقع العمل بأسعار زهيدة، وتمكين فئات قليلة من التجار من السيطرة والتحكم في الأسعار.
بدوره، يقول رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس التشريعي لولاية الخرطوم، عبد الله سيد أحمد، أن الخلل ليس بالضرورة راجع لسياسة التحرير، بقدر ما يرجع لعوامل أخرى منها قصور الرقابة وجشع التجار واستغلالهم خروج الدولة من السوق في وضع تسعيرة تخضع لأمزجتهم.
وقال سيد أحمد لـ “الصيحة” إن وضع حد لهذه الفوضى رهين بتكثيف الرقابة على الأسواق وإلزام المحال التجارية بوضع ديباجة على السلع تحدد السعر، والتوسع في إنشاء مراكز البيع المخفض وتنشيط التعاونيات في الأحياء ومواقع العمل لتوفير السلع الاستهلاكية للمواطنين بسعر المصنع، مع تكفل الحكومة بمنصرفات الترحيل والتكاليف التشغيلية لهذه المواقع وإعفائها من الرسوم والجبايات لضمان وصول السلع للمستهلكين بأقل الأسعار.
وقريبًا منه، يتهم رئيس جمعية حماية المستهلك، د. نصر الدين شلقامي، وزارة التجارة بالتقاعس عن دورها في تطبيق القانون على المخالفين، مشيرا إلى أن القانون يشترط عند زيادة سعر أي سلعة مخاطبة الوزارة والحصول على موافقة مسبقة منها قبل تطبيق الزيادة، وهو ما لا يحدث بحسب قوله، واصفاً ما يحدث بالأسواق بالـ “الفوضى”، وقال إن سياسة التحرير لا تعني الفوضى ولا السماح بحدوثه.

مقالات ذات صلة

إغلاق