أمريكا في السودان.. عودة من باب “المدنية”

الخرطوم: صلاح مختار

مَرّةً أخرى تَعُود واشنطن إلى واجهة المَلف السُّوداني وهذه المرة عبر مُطالبتها للمجلس العسكري الانتقالي بالإسراع في إكمال إجراءات تسليم السُّلطة لحكومة مدنية.. مُطالبة واشنطن هذه لم تكن الأولى من نوعها للمجلس، إلا أنّ الجديد هذه المرّة هو دعوتها للأطراف السودانية تجاوز الخلافات، وتجنيب البلاد سيناريو الفوضى والعنف، وجاء في الخبر أن نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سوليفان طالب، رئيس المجلس  العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان خلال اتصال هاتفي بسرعة تسليم السلطة إلى المدنيين وتجنُّب العنف والعمل على تجاوُز الخلافات مع الأطراف السياسية .

مخاوف مُبرّرة

العزف على وتر إعادة المدنية إلى الحكم، يبدو أنه أضحى طريق الإدارة الأمريكية في التعامل مع الخرطوم، مما جعلها تبدي مخاوفها من انزلاق البلاد إلى الفوضى والعُنف، في ظل تصاعُد التّوتُّر السياسي والمطالبة بحكومة مدنية. ويقول مُراقبون إنّ واشنطن تُحاول الضغط على المجلس العسكري من أجل تَسريع تَسليم السُّلطة للمدنيين.

خيارات السُّودانيين

مُلخص ما دار بين البرهان والمسؤول الأمريكي أوجزه بيانٌ صادرٌ عن المجلس العسكري، أشار فيه إلى أنّ رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان اطّلع المسؤول الأمريكي على مُجمل الأوضاع بالبلاد، وتواصل المجلس مع القوى السياسية السودانية للانتقال السلس الى السُّلطة، وأضاف البيان أنّ البرهان أشار لانحياز الجيش السوداني لإرادة الشعب السوداني، تحقيقاً لشعارات الثورة في الحرية والعدالة والمساواة. كما شدّد في المُحادثة على دور الجيش في تعزيز الأمن ودعم خيارات السُّودانيين وثورتهم السلمية، حسبما ذكر البيان.

سؤال مُبرِّر

واشنطن في اتصالها الأخير بالبرهان، يبدو أنها أرادت إيقاف سيل الانتقادات التي واجهتها إدارة ترمب بسبب تفرجها على ما يجري في السودان منذ أربعة أشهر، مِمّا حَدَا بنائب وزير الخارجية الأمريكي للتأكيد على وقوف بلاده ودَعمها لجُهُود تَحقيق الاستقرار السِّياسي بالسُّودان. وسبق أن دَعت الإدارة الأمريكية، الجيش السوداني في أكثر من مُناسبةٍ إلى تسريع تسليم السلطة للمدنيين استجابةً لضغوط الشارع المُتواصلة منذ الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، ولكن صحيفة “نيويورك تايمز” تساءلت في وقتٍ سابقٍ عن سر التزام الولايات المتحدة الصّمت تجاه تدخُّل السعودية والإمارات في الشأن السوداني، رغم أنّها ظلّت تُؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ، بل وغارقة فيما يجري في السودان خلال الـ 25 سنة الماضية، وأكدت الصحيفة الأمريكية في تقرير لها من الخرطوم أنّ أمريكا تغيب الآن بشكلٍ لافتٍ في لحظات حرجة يتشكّل فيها مستقبل السودان، ويُترك مصيره للرياض وأبو ظبي، وعدّدت الصحيفة، الخطوات التي اتّخذتها الرياض وأبو ظبي حتى اليوم دعماً لسُلطةٍ عسكريةٍ بالسودان ، إضافةً إلى التّنسيق مع القاهرة التي تترأس الاتحاد الأفريقي حالياً.

موقف ضعيف

ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي الأمريكي الأسبق بالسودان بيتون كنوبف قوله، إنّ بلاده في السابق كانت ستستجيب، في حالة حدث ما يجري في السودان الآن، بعقد اجتماعات عالية المُستوى مع حلفائها لوضع خارطة طريق لتحوُّل هذه البلاد إلى الديمقراطية والحكم المدني، ووصف كنوبف، الموقف الأمريكي الحالي بأنّه أضعف كثيراً من موقف الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

موقف مماثل

ورغم أنّ الخارجية الأمريكية قد أعلنت دعمها للتحوُّل إلى الحكم المدني بالسودان، فإنّ البيت الأبيض لم يفعل ذلك حتى اليوم، ونقلت عن بعض المسؤولين الأمريكيين السّابقين والمُحلِّلين خشيتهم من أن يكون موقف البيت الأبيض من السُّودان مماثلاً لموقفه مِمّا يجري في ليبيا، أي دَعم التّوجُّه العسكري.

اختطاف الثورة

ونقلت الصحيفة عن زاك فيرتين، المسؤول السابق في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عن السودان والذي ألّف كتاباً صدر مؤخراً بعنوان “لا يُمكن أن يصبح السودان أرضاً لمعركة أخرى بالوكالة في الشرق الأوسط”، قوله إنّ اختطاف ثورة السُّودانيين بالأجندة الأجنبية لن يكون مُخيِّباً للآمال فقط، بل سيكون أمراً مُسبِّباً لعدم استقرارٍ واسعٍ وعَميقٍ بالمنطقة، وطالب بالانتقال إلى الحكم المدني.

تسليم وتسلُّم

وطالب مشرعون أمريكيون بالضغط على المجلس العسكري للإسراع في تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تمثل كل السودانيين، ودعا المشرعون إلى التنسيق مع وزارة الخزانة والمُؤسّسات الرقابية والبنكية الأمريكية والدولية لمُلاحقة الأموال المَنهوبة بواسطة أتباع النظام السَّابق، ومنع خُرُوجها من السودان أو إعادتها إليه، وتَسليمها إلى الحكومة المدنية الانتقالية التي تمثل كل السُّودانيين.

ليس بجديد

يرى المحلل السياسي د. عبد اللطيف البوني في حديثه لـ(الصيحة) أنّ الموقف الأمريكي ليس فيه جديد باعتبار أنّ الموقف الأمريكي ضد الانقلابات العسكرية، وهو موقفٌ ينسجم مع الموقف الأفريقي، كذلك موقف الكونغرس الأمريكي لديه قانونٌ يجرم ذلك ولا يتعامل مع الحكومات العسكرية، بيد أن البوني عاد وقال إنّ أمريكا تنطلق في علاقاتها الخارجية من مُنطلق مصالحها، وبالتالي بشأن السودان لديها خارطة طريق خَاصّة به من خلال مُطالبتها بالمُساواة في الأديان، وأن تكون الحكومات مُنتخبة، وبالتالي رأى أنّ الأمر ليس فيه جديد.

انتظار المجهول

وفي السِّياق، يُشير المُحَلِّل السِّياسي والأكاديمي د. أبو بكر آدم لـ(الصيحة) إلى أنّ اللاعب الأساسي في المشهد السوداني هي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، والمحور الخليجي قبل أن يصف الوضع في السُّودان بالهشاشة ووجود قُوى مُتصارعة، إضافةً إلى وجود مجلس عسكري انتقالي مُقيّد بالضغوط وبالتالي يسهل للولايات المتحدة الأمريكية تمرير أجندتها من خلال الحديث عن تسليم السُّلطة لمدنيين، رغم أن الواقع لا يوجد قوى مدنية حقيقيّة مُتماسكة لتسليم السُّلطة في السُّودان، وقال آدم إنّ الصراع بين القوى السياسية يُؤكِّد ضعف الواقع السوداني، ولذلك أمريكا تُريد رسم المشهد السوداني وتمديد مصالحها كأولوية في المنطقة، ولكن أمريكا إذا كانت تُريد قوى مدنية حقيقية عليها انتظار الانتخابات المُقبلة.

مقالات ذات صلة

إغلاق