أما قبل -الصادق الرزيقى – حكومة جديدة ولكن ….

بعد انتظارٍ وترقُّب وُلِدت الحكومة الجديدة، بعد مخاضٍ عسير، ربما جاءت على عكس توقّعات الكثير من الناس، لكنها في جوهرها قد تُعبّر عن المرحلة الراهِنة بكل ما فيها من صعوبات، فليس بالإمكان أبدع مما كان، وتحتاج هذه الحكومة تسويقاً جيّداً للرأي العام، برغم ما يشعُر به البعض من إحباط في أنها لم تُلبِّ التطلّعات والآمال التي عُلّقت عليها، فاختيار الحكومة بغض النظر عن أنها ضمّت بينها كفاءات سودانية معروفة، لكن شابها وعابها نوعٌ من المُحاصَصات الحزبية والجهوية، واجتهد مُتَّخِذ القرار في مُراعاة معايير دقيقة وصعبة حتى تخرُج الحكومة معقولة ثم مقبولة ..

الحكومة في مظهرها العام عادية وتقليدية كسابقاتها، لكن الجديد فيها أنها وازَنَتْ بين مُكوّنات مُختلِفة، أولها مُكوّن الحوار الوطني من ذوي الكفاءات وأهل الخبرة، وهؤلاء تمّ اختيارُ عددٍ من الوزراء المُؤهَّلين في وزارات مُهمة، ثم مُكون أهل الكفاءة الفنية من المُختصّين في مجالاتهم كوزيري النفط والمعادن، وتمّت مراعاة الأحزاب الشريكة والحركات التي وقّعت على اتفاقيات سلام، وحظي المؤتمر الوطني الذي فكّ ارتباطه بالسلطة على نسبة ضئيلة لا تُناسِب دوره وحجمه وسبْقه، وفي ذلك رسالة سياسيّة مُهمة يجب أن تُقرَأ بعناية ويُنظَر إليها كخطوة إيجابية..

خرجت وجوهٌ معلومةٌ ظلّت لسنوات طويلة في كراسي الحكم، سواء أكانوا من المؤتمر الوطني أو حلفائه، ولا يُعلَم ما هو رد فِعلِهم إزاء هذا الخروج، مثل قادة بعض الأحزاب، كالدكتور الصادق الهادي المهدي، والدكتور أحمد بلال، لكن بقي وزراء هم قادة أحزاب شريكة ومُوالية أخرى ليس هناك مبرر لوجودهم أصلاً، لأن الفائدة والعائد السياسي الذي تجنيه هذه الحكومة الجديدة من وجودهم فيها يساوي صفراً، ولم يكن لهم أي دور خلال الأزمة الراهنة ولا جماهير ولا وزن سياسي .

 كان الرهان على حكومة كفاءات حقيقية من خيرة الخبرات الوطنية والخبراء والعلماء والفنيين، ولو درى أهل القرار ما سينعَكِس على الرأي العام من وجود هذا النوع من الكفاءات لأقدموا على هذا الخيار وتركوا بعض المعايير والتقديرات غير ذات الربح السياسي، فالمزاج العام في البلاد كان في حاجة ماسة للتغيير وطوال الأيام الماضية، ظلَّ ينتظر حكومة رشيقة جداً وشابّة، قوامُها وجوه جديدة،  وأفكار مُتقدّمة، لكنه الآن قد لا يتجاوَب بما يكفي مع هذه الحكومة بسهولة، لشعوره بأنها في ملمحِها السياسي لم تُخاطِب الشواغِل التي لديه بما يكفي للاقتناع بها وبِمهمّتها ..

 كُنا نتوقّع تطبيقاً لما قاله السيد رئيس الجمهورية في خطابه يوم الجمعة 22 فبراير، حكومة عبارة عن فريق عمل مُصغّر لإنجاز مَهامٍ مُحدّدة تتعلّق بُمعالَجة الوضع الاقتصادي، وإصلاح ما يُمكن إصلاحه، تنتهي مُهمّتها بما تُحقّقه من عمل ونجاح، وتهدأ الأوضاع في البلاد، وتختفي الأزمات المعيشية أو تخف، وتتلاشى الاحتجاجات، ثم يبدأ الإعداد الجيّد للمرحلة المُقبلة التي تلِي حكومة المُهمة المحدّدة بحكومة ذات قاعدة عريضة تُمثّل الجميع تتجلّى فيها روح التوافُق الوطني وتشترك فيها قوى سياسية أخرى من المعارضة والحركات التي قد توقّع اتفاقيات سلام  ..

الشيء المهم الآن ليس البحث عن نقائص ومثالب التركيبة والتشكيلة الحكومية الراهنة، فلنُغلّب الظن الحَسن على غيرِه، فالبرنامج الذي طرحه رئيس الوزراء أمس قبل إعلان أسماء  الوزراء ووزراء الدولة برنامج مقنع ومُحدّد في سِمتِه العامة، وفيه توصيف وتشخيص للأزمة الراهنة في مجالها الاقتصادي والخدمي، يحتاج رئيس الوزراء إلى جهد جبّار وإدارة كفوءة ومتابعة دقيقة لأداء حكومته حتى تستطيع القيام بِمهمّتها وواجباتها التي ستكون عسيرة جداً ..

مقالات ذات صلة

إغلاق