أسفار وترحال- يوسف عبدالمنان – الطريق إلى كالوقي (1)

قصة زواج فصل كامل من طالبات الشهادة السودانية بأبوجبيهة!!

في ليالي آخر الشتاء، يغفو الناس وينهضون من أسرتهم مبكراً.. والخرطوم تتثاءب تكاسلاً.. وآثار التظاهرات تبدو كوشم في وجه المدينة الناعسة.. الساعة تشير إلى الخامسة، بعض المساجد تصلي مبكراً.. وبعضها يصلي الصبح بعد الخامسة والربع، وللشهيد أحمد محجوب حاج نور رحمة الله عليه، وجهة نظر ورؤية فقهية، حول مواقيت صلاة الصبح وتأخيرها حتى قبل إشراق الشمس بقليل، ليصلي الناس ويذهبون لشؤونهم وأداء واجباتهم.. ولا يعودون لبيوتهم ليغفوا قليلاً بعد شاي الصباح..

ولكن الخلافات السياسة “تعطل” حتى الاجتهاد في الدين.. خرجنا في ذلك الصباح من الثورة الحارات الجديدة برفقة شقيقي محمد أحمد عبد المنان الأنصاري الملتزم بصف الإمام الصادق المهدي، في الطريق إلى أقاصي جنوب السودان، منطقة كالوقي، التي لاذ بها الإمام المهدي، حينما ضاقت به أرض الله الواسعة، فآوى إلى كهف في جبل “قدير” يسمى “بطن أمك”.

 وتلك الديار بعيدة عن الخرطوم، وقريبة إلى قلوب عشاقها وسُمّارها.. رغم مشقة السفر والأثنتي عشر ساعة التي تستغرقها الرحلة من أم درمان إلى كالوقي..

 عند محطة جبل أولياء تتعدد نقاط التفتيش والمراقبة من شرطة معابر، ومباحث جنائية، وأمن وطني، واستخبارات، وأخيراً شرطة المرور، قبل أن يدفع المواطن رسوم عبور زهيدة، ورغم ذلك يُمانع أهل السلطة ويرفضون دفعها.. ولا يملك موظفو شركة الهدف سلطة ترغم الممانعين عن دفع رسوم العبور..

بدا الطريق خالياً من سيارات النقل والبصات السفرية والشاحنات.. وخف الزحام بسبب طريق الصادرات أم درمان ـ جبرة الشيخ ـ بارا ـ الأبيض.. ورغم ذلك تهالك الطريق القومي، وتعددت المطبات وكثرت الحفر، وأغلقت بعض المطاعم أبوابها..

من جبل اولياء حتى القطينة.. الشارع الأسفلتي لا يزال صامداً.. بيد أن التآكل يبدأ من الدويم حتى كوستي وأم روابة.. وأضحت مطاعم الأسماك في كوستي بلا رواد مثل قديم الزمان، ورغم ذلك حافظت تلك المطاعم على رداءة طعامها الذي تقدمه لعابري الطريق..

الدائري قصة لم تكتمل

من أم روابة التي تجلس فوق حوض ماء عذب، وعلى جنبها الأيسر مصب وادي أبوحبل والأيمن الرمال الناعمة.. وأم روابة مدينة تجمع من الشمال الشايقية والمناصير ومن كردفان الجوامعة والجمع.. ومن كردفان الشرقية البقارة ببطونهم المتعددة والنوبة من جبل الدائر “الما بنطلع لزول”.

 وكان الشريف زين العابدين الهندي كان ينظر لوجه أم روابة النضر حينما قال:

بشوفك بشرى فيك شقق جبال ورمال

وفي حدقاتو مفتوحات تلاتة ليال

بترسم لي طريق نجم العشا الولوال

وتكشف فيك أسراراً كتار وأهوال

من أم روابة اتجهت السيارة التي يقودها الشاب “ملهم” نحو الجنوب الغربي عبر الطريق الدائري الذي “وقف وما زاد” منذ مغادرة مولانا أحمد هارون موقع الوالي بجنوب كردفان، شأنه في ذلك شأن كثير من المشروعات التي عطلتها الحرب والمشروعات التي عطلها “ضعف الهمة” لمن جاءوا من بعده في سدة الحكم والسلطة.. والخوف الآن على أم روابة نفسها عروس النيم أن يغشاها الإهمال وتموت في عز الصبا.. وكان الطريق الدائري قد بدا متعثراً عبر قطاع أم روابة العباسية الذي شيدته شركة سودانية بلا إمكانيات ولا قدرات فنية، لتأتي حقبة النفط والبترول وتوقع الحكومة مع دولة الصين على إكمال طريق العباسية الرشاد أبوجبيهة.. ولكن التمرد أول طلقة صوبها على معسكر الشركة الصينية في منطقة المقرح جنوب العباسية، وطرد المهندسين، وأشعل النار في السيارات.. واختطف العمال بزعم تحرير جبال النوبة.. وامتدت الحرب الأخيرة ‘لى مناطق خلاوى الطريقة القادرية في “أم مرح” وكاسي، ومات الشيخ الراحل أحمد أبوفلج بالحسرة قبل أن يطفئ التمرد نيران القرآن التي اتقدت منذ مائة عام. وفي كل سنة يتم تخريج 200 حافظ للقرآن بينما بقية خلاوى السادة الصوفية تخرج مائتين أو يزيد من “المداح” أو المغنين على قول أحبابنا السلفيين!!

في العباسية توقفت السيارة عند محطة الوقود، مئات السيارات تنتظر حظها من الجازولين، الشباب يحملون “جركانات” طلباً للوقود من أجل “الطواحين” والأفران والدوانكي.. رجل أمن مهذب جداً عندما علم بأننا عابرون طلب من أصحاب العربات السماح لنا بالتزود بالوقود.. وأهل “مملكة تقلي” بسماحتهم وطيب معشرهم يؤثرون على أنفسهم..

من العباسية وحتى مدينة رشاد، تبدت قلة حيلة شركة الكوباني التي حظيت بعطاء تشييد الطريق.. آليات قديمة وسيارات متهالكة.. وعمليات ردم وتسطيح للشارع لا تبشر بإمكانية إنجاز الشركة للطريق لمدة عشر سنوات قادمة، رغم أنها “قبضت” مقدم العقد..

ولكن السؤال: كيف ذهب العطاء لمثل هذه الشركة؟؟ وهل يحقق رئيس الوزراء الجديد محمد طاهر أيلا في ملف الطريق الدائري في مدينة العباسية التي تُحيط بها الجبال الصخرية العالية..

بدا السوق عامراً بالناس.. والمنتجات المحلية.. المشغولات التراثية.. وثمار شجرة “الكرمدودة” التي قيل إنها تعمل على خفض معدلات السكر في الدم لمن يشرب “منقوعها” من الماء.. والرشاد هي رئاسة مجلس ريفي شرق الجبال، عندما كانت كل جنوب كردفان مديرية واحدة وعاصمتها كادقلي.. وترتبط رشاد غرباً بمناطق “أم بركة”، وهو اسم حديث كانت في السابق تسمى “شمشكة”، لكن تم تغيير الاسم لدواعي المشروع الحضاري مع أن أهل تقلي سابقؤن بإسلامهم وحضارتهم لمشروع الدولة المركزية الإسلامية، ولكن أهل تقلي تلك المملكة العريقة ظل حظهم من السلطة شحيحاً جداً، وفي كل تشكيلات حكومات السودان المتعاقبة تخرج تلك المنطقة “أصبعاً” “ملحوساً” ولا ينتبه لها أحد، لأن القرآن الذي تشع أنواره هناك أحسن تأديب أهل تقلي وجعلهم يعفّون عن المغانم ويتقدمون ساعات العزائم..

أبوجبيهة وقصة زواج طالبات!!

أبوجبيهة التي يدعونها تدليلاً بجنة الدنيا.. ويقولون عنها أبوجبيهة الحباك “جنة هنا.. وجنة هناك”، تتلاقح الثقافات وتتساكن المجموعات العرقية المختلفة.. أولاد حميد، وهم عرب ينتسبون مثل سائر أهل السودان لشجرة النبوة.. وعرب الحوازمة وكنانة.. و”الجلابة”، وهي ترمز للتجار الذين يجلبون البضاعة، قبل أن يُسيَّس المصطلح، ويتم شحنه بحمولات سالبة لترمز المفردة للانتهازية والظلم وتحالف المال والسلطة.. وهناك مكّون كبير للهوسا والبرنو والفلاتة والبرقو..

كل هذه المجموعات تعيش في مدينة شهدت في ثمانينات القرن الماضي صعود التيار البعثي وسط شبابها.. وتعرض الترابي بعد الانتفاضة للرشق بالحجارة، ولكن بعد عشر سنوات استقبلت أبوجبيهة الترابي بالأحضان بعد أن صعد لقيادة أكبر قبليتين اثنان من أبناء الحركة الإسلامية الراحل عبد الرحمن كمبال آدم أمير أولاد حميد، والشيخ حماد علي أحمد، أمير عموم قبائل كنانة في السودان الحالي!!

في طريق العودة من كالوقي قطع طريقنا بطريقته الخاصة الأمير حماد علي أحمد، وأقام مأدبة إفطار للوالي السابق د. حبيب أحمد مختوم، والوزير السابق الفريق شرطة محمد جابر برام، وكاتب هذه السطور، والشيخ علي قدوم القيادي في الحركة الإسلامية، ومحمد أحمد عبد المنان، وفي منزل الأمير حماد كان للسياسة حضور ولقضايا المنطقة أيضاً.. ومعتمد محلية أبوجبيهة قادم بابكر، وأعيان أبوجبيهة ورموزها.. والإدارة الأهلية تظل فاعلة وحاضرة في المسرح الاجتماعي والمشهد السياسي.. في مثل هذه المجالس تتناثر المعلومات في كل شأن، ومما أثار جدلاً واسعاً وسط مجلس الأمير حماد علي أحمد، وفي وجود المعتمد قادم بابكر ما كشف عنه أحد أعيان المنطقة، وهو معلم يقبض على الطباشير بيده المعروقة، قال إن امتحانات الشهادة السودانية في هذا العام شهدت حدثاً لا يعرف المعلم إن كان سعيداً أم حزيناً، الحدث هو غياب فصل كامل لطالبات من إحدى مدارس البنات بمحلية أبوجبيهة كان يفترض جلوسهن لامتحانات الشهادة السودانية والدخول للجامعات، وبعد دفع أولياء أمورهن رسوم الامتحانات، وحدّدت وزارة التربية أرقام الجلوس، تفاجأت إدارة التعليم بغياب جماعي لكل الفصل.. وعندما سألت إدارة التعليم مدير المدرسة، أفاد بأن جميع الطالبات “تزوجن” على سنة الله ورسوله، والمدرسة تقع في إحدى ضواحي المدينة، وجاء من اليمن السعيد فرسان الدعم السريع بنصر في ميدان المعركة ورصيد مالي كبير شأن كل العائدين من اليمن، وبدلاً من تبديد تلك الأموال في ما لا ينفع، اختار العائدون الدخول في حلبة تنافس كل يسابق الآخر لخطف إحدى الحسناوات من الطالبات.. وما تبقى تكفل به “الدهابة” أي المعدنون التقليديون الذين يكسبون المليارات من الجنيهات من مناجم المرفعين بالقرب من أبوجبيهة ومنجم كالوقي والحجيرات والتقلة.. ولكن هل تشهد المنطقة تغييرات في الأسماء من فضل الله وحامد ونواي إلى اسم حميدتي الذي ظل يتردد هناك كرمز للشجاعة والبسالة..!

الذهب والثروة المهدرة

كانت أيام عزاء الراحل الفكي محمد الطيب، والد المهندس آدم الفكي الوالي السابق، بمثابة جلسات سمر وحوارات عميقة بين النخب والأهالي حول السلام والمفاوضات والذهب والقطن الذي أخذ يعود لجبال النوبة مرة أخرى، ولكنه يذهب لخزينة وجدي ميرغني بدلاً من خزانة الدولة التي وزعت المشاريع ووفرت التقاوى، وفشلت في شراء المحصول، وأعادت مؤسسة جبال النوبة الزراعية، ولكن المؤسسة كالوردة بلا عطر.. موظفون ورواتب وامتيازات دون رؤية وتخطيط ينتظرون المالية كي تجود عليهم بالمال لينفقونه على أنفسهم.. الإنتاج اليومي من الذهب في حقل كالوقي وحدها نحو (8) كيلو من الذهب يومياً أي (240) كيلو من الذهب شهرياً.. تذهب لجيوب المواطنين وتنال الدولة (عطية مزين) رسوم تتحصلها الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي لا تقدم أي خدمة للمعدنين.. ولأن الشركة بعيدة عن المواطنين لا تستفيد من إمكانياتها في توفير خدمات أساسية يحتاجها المعدنون مثل “بوكلين” الحفر و”اللودرات” ومصانع صغيرة لاستخلاص الذهب تقوم بخدمة المعدنين مقابل إيجار بسعر السوق لمعدات التعدين، وتحصل الشركة على نحو (5) كيلو من الذهب يومياً من معدني كالوقي وحده، إذا استطاعت القيام بهذه الخدمات، لكن الشركة السودانية للموارد المعدنية تنتظر الآن مصيرها وأيلا قد شرع في تصفية ما تبقى من الشركات الحكومية..

من فوائد وثمرات الذهب في منطقة كالوقي الطريق البري الذي يبلغ طوله نحو 98 كيلو متراً من أبوجبيهة حتى كالوقي مروراً بمناطق الهبيل.. ووادي الحميض وحجير الدوم كنانة.. وما ذُكرت منطقة حجير الدوم إلا أطلت مشاهد محزنة لتاريخ التمرّد في المنطقة، والتي هاجمتها قوات الحركة الشعبية وفي قرية واحدة قتلت الحركة الشعبية ومن أسرة واحدة (19) شاباً ورجلاً وامرأة في حادثة تظل محفورة في ذاكرة الأجيال.. ولن تنسى حجير الدوم كنانة القتل بدم بارد..

الشركات العاملة في التنقيب عن الذهب وبجهود بذلها العمدة محمد عبد الرحمن، جمع الدهابة مبالغ مالية تم توظيفها في ردم الطريق البري.. وشيد الوالي الأسبق آدم الفكي عدداً من الجسور والكباري جعلت الحركة تنساب بين كالوقي وأبوجبيهة وأم روابة وكوستي والخرطوم.. وقبل تلك الإنشاءات على الطريق الترابي ماتت نساء يبحثن عن طبيب ولادة.. ومات العديد من مرضى الملاريا.. والجرحى.. ولكن تقاصرت همم المركز في وصل الأطراف البعيدة.

 في صباح الخميس الماضي والسماء ازدانت ببقع من سحاب الصيف غادرت كالوقي وأنا مع التجاني حاج موسى أغني..

وحات عمراً قضيتو معاك

محال عن كالوقي ارتدّ

وراجي العين تلاقي العين

وأحضن إيدك البضة

وأهي الأيام بتتعدّى

ونرجع تاني لابدّ

                     نواصل

مقالات ذات صلة

إغلاق