أسفار وترحال- يوسف عبدالمنان – الطريق إلى كالوقي (2)

الفيض أم عبدالله مدينة تتنفس دخان الحرب!!

دلامي تنهض على أكتاف جنرال وبروفيسورين!!

غابات المانجو البلدية تنتشر في مساحات واسعة من أبوجبيهة باتجاه الجنوب الشرقي والشمال الغربي.. وتعتبر (جناين) تجملا الواقعة شمال غربي أبوجبيهة من أغنى الأراضي الزراعية.. وفي هذه الأيام لا تزيد سعر كرتونة المانجو الطبيعي غير المخصب بالكيماويات (200) جنيه لكرتونة (سعة عشرة دستة).. في وقت تبلغ فيه دستة المانجو بالخرطوم مائة وخمسين جنيهاً.,. وكرتونة الطماطم البلدية خمسين جنيهاً.. وكيلو الطماطم في الخرطوم بمبلغ عشرين جنيهاً في هذه الأيام..!!

الإنسان هناك لا يشعر بشح السيولة.. ولم تبلغ بطاقات المصارف مدينة أم روابة فكيف تصل إلى أبوجبيهة وكالوقي والليري التي ذرفت الأسبوع الماضي الدموع على حرائرها جراء انهيار وتصدع منجم للذهب على رؤوس النساء اللاتي طمرهن التراب.. ولم يبك الوطن على نساء الليري كأنهن نساء من سيراليون.. فالمشاعر الإنسانية في هذا البلد انتابتها شروخات عميقة.. والموت في الليرى يحصد العشرات من حرائر على أقدامهن المتربة بقية من خضاب!! وعلى أعينهن أمل في حياة أفضل.. واجهن الموت من أجل لقمة عيش شريفة لم يتسكعن في طرقات المدينة (العاهرة) ولم يبعن شرفهن بحفنة المال النتن!! خرجن للحياة ورحلن ولم يبك عليهن إلا أولو الأرحام!! وكأنهن حزمة جرجير تباع كما قال صلاح أحمد إبراهيم..

في منطقة تجملا التي يتمازج تكوينها ما بين حوازمة ونوبة وبرنو وبرقو وفلاتة ومسيرية وكنانة.. جميعهم تربطهم وشائج مملكة تقلي التي اندثرت كسلطة وبقيت كقيم في نفوس وسلطنة في العباسية حيث مقر الناظر (جيلي) ولكن تقلي تناقصت أطرافها.. وغشاها التمرد.. وسكن في خلاوى (أم مرح) وأطفأ نيران القرآن وأشعل فتنة بين (الرجل وخاله). اتجه سائق العربة عبر طريق بري شديد الوعورة وأشجار المانجو تظلل الوادي.. ومشهد الغابات والجبال المتناثرة يشيع في النفس بهجة.. ويذهب عن الزائر الهم والغم.. وقطعان (الماعز الجبلي) تتقافز بين شجيرات الطلح الذي تعشق عبقه البيوت في بلادي.. والماعز الجبلي مطلوب في أسواق الخليج ولكن عباقرة الأفندية (ينفذون) مخططاً لتغيير سلالات الماعز الجبلي بسلالات شامية ومن جنوب إفريقيا بذريعة أنها تنتج ألباناً أكثر ولحوماً.. وهي مؤامرة للقضاء على الماعز (التقر) وهو أفضل أنواع الماعز في العالم..

الفيض أم عبدالله الجرح الغائر

تقع منطقة الفيض أم عبدالله على ضفاف الوادي الذي ينحدر من مرتفعات جبال الكواليب.. وهيبان ويتجه شرقاً نحو أبوجبيهة.. والفيض منطقة تمازج وتصاهر.. وتعايش بين عرب الحوازمة الرحل والنوبة القادمين من جبال بترأ واللبو والمساليت (عشيرة عبدالعزيز الحلو) والبرنو والفلاتة..

بدأ الصراع حول الفيض منذ سبعينيات القرن الماضي وشهدت المنطقة تنافساً بين تيارات فكرية وسط طلابها حينذاك (الجبهة الإفريقية) وتنظيم الكملو السري الذي نشأ في كادقلي وتنظيمات عروبية إسلامية مثل حزب البعث الذي نشط في المنطقة الشرقية من جنوب كردفان لوجود قيادات مثل الراحل بشير حماد الذي في أخريات أيامه هجر حزب البعث وبات مؤتمرجياً.. وأولى شرارات حريق الفيض وقعت في حفلة (زواج) والشاب يرقص على أنغام (بوب مارلي) وإبراهيم عوض يغني من قساك مين قسى قلبك.. قرر بعض شباب الإسلاميين (تفريق) الحفل وأنهال أحدهم على رأس الطالب بجامعة الخرطوم عبدالعزيز الحلو ضرباً بعصا، (فتفرق) الحفل وسكنت الضغائن القلوب.. وعندما هم عبدالعزيز الحلو في جامعة الخرطوم بالانضمام لتنظيم (الكملو) وهو تنظيم سري أسسه يوسف كوة.. واستوحى الاسم من بطل رواية الكاتب (ألان بيتون) (أبكيك ياوطني العزيز) التي تكشف الوجه القميء للفصل العنصري في دولة جنوب إفريقيا.. واطلق اسم تنظيم (الكملو) على بطل تلك الرواية استيفن كمالو!! ولم يرحب بالحلو في باديء الأمر عضواً في التنظيم لأسباب عرقية لأنه من أم وأب غير نوبيين.. وبعد عدة محاولات تم قبوله في عضوية التنظيم بعد اقناع دانيال كودي لأعضاء التنظيم بضرورة قبوله استثناءً باعتباره لا يحمل في تكوينه جينات عربية!!

بعد اندلاع التمرد في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي عاشت منطقة الفيض حرب استقطاب أثنية ومقاومة شرسة من الدفاع الشعبي وأهالي المنطقة .. وفشلت كل محاولات التمرد ضم المنطقة لما يعرف بالمناطق المحررة ويعلم الحلو بأن السيطرة على الفيض تعني السيطرة على مناطق خور  الدليب ودلامي وأم برمبيطة وكدبر.. والاقتراب أكثر من هبيلا وقطع عنق أبوجبيهة وإحكام السيطرة عليها.. بعد سنة ستة أي التمرد الثاني تعرضت المنطقة لأعمال وحشية ونهبت منازل أبرياء من أسرة عبدالعزيز الحلو.. وتم تحطيم بيت أسرته لا لسبب إلا صلة القربى التي تجمع بين الضحايا وقائد التمرد.. وعند هجوم الحلو على المنطقة دمرت دور العبادة (المسجد) حيث لا أثر للكنيسة هناك.. وبدت المدينة حطاماً وآثار مبانٍ قديمة ومتاجر.. والفيض اليوم تنهض من تحت رماد الهزيمة والأيام الصعبة.. وتسعى لاسترداد عافيتها مرة أخرى.. ومن الفيض أم عبدالله اتجهنا إلى خور الدليب ولهذه المنطقة ذكريات في النفس كانت اللواري القادمة من الخرطوم متجهة الى هيبان كاودة تبانيا.. أم دلو وكراكرابة البيرة.. ومناطق تيرا في اللبو وأم درافي تتوقف ساعات طويلة في خور الدليب هنا يباع كل شيء.. وبأي شيء.. أجهزة كهربائية.. ملبوسات يأتي بها القادمون من الخرطوم بأسعار زهيدة!! وخور الدليب يعتبر من أغنى الخيران في جبال النوبة.. حيث شجر الدليب بثماره ذات الرائحة الطيبة الغنية بالأحماض والسكريات.. وشجرة الدوم.. والأبنوس ويزرع في خور الدليب التوم والبصل والبطاطس..

الجميلة أم صرايف

الطريق من خور الدليب الى أم برمبيطة التي يطلق عليها أهلها من الحوازمة الجميلة من (صرايف) أم مناخاً هايف.. والهيف في لغة بادية البقارة تعني الهواء البارد المشبع بالماء.. يقولون هيف الخريف وهيف الرشاش وهيف الهجعة الأخيرة من الليل وتستخدم مفردة (هايف) للصبي أو الشاب الذي يتجول من فريق لآخر ومن قرية لقرية يبحث عن اللعب واللهو واللعب المقصود هنا (الرقص) كالنقارة والدرملي. والحوازمة (الحلفا) ثلاث بطون رئيسة (الأسرة) وأولاد فايد ودار علي.. وتعتبر أم برمبيطة هي العاصمة التاريخية لقبيلة الحوازمة الحلفا.. وبها منزل الأمير النور الطاهر.. وينتشر عمد الحوازمة في مناطق الفيض وأبوكرشولة وأبوجبيهة.. وهم عرب رحل لعبوا دوراً مهماً في التصدي للتمرد ودفعوا ثمن دفاعهم عن الدولة السودانية فقدان شبابهم في معارك تحرير أبوكرشولا ومعارك القردود والفيض وخور الدليب.. وهناك قبائل البديرية (العياتقة) والرواوقة وأولاد غبوش في منطقة هبيلا.. وأم برمبيطة بيوتها الجميلة ونظافة شوارعها وخصوبة أرضها وثراء  المجتمع هناك.. تقبض على زناد البندقية منذ ثلاثين عاماً.. ولكن كل فرص (التوزير) والتوظيف الحكومي تذهب لغيرهم ممن لا كسب لهم في الدفاع عن الأرض.. ولم يهاجم التمرد منطقة أبوكرشولا إلا لمواقف أبنائها في الانتخابات الأخيرة.. ويطل من جهة الشرق جبل أبوالحسن وهو واحد من قلاع التمرد وقد تحصن بهذا الجبل عبدالعزيز الحلو بعد تحرير منطقة ابوكرشولا لكن العمليات التي قامت بها القوات المسلحة قد أرغمت التمرد على الخروج من جبل أبو الحسن عنوة..

دلامي عزيمة الجنرال والبروفيسورات

تعتبر منطقة دلامي العاصمة التاريخية للنوبة الكواليب أشهر المجموعات اللغوية الثلاثة في جبال النوبة.. واختار التمرد جبال الكواليب الحصينة كبديل لرئاسة الحركة في كاودة.. والكواليب مقاتلون أشاوس.. ويتصفون بالشجاعة عند النزال والمروءة والكرم ولا يعرف الكواليب الغدر والخيانة لذلك تاريخياً هم أكثر المجموعات السكانية في جبال النوبة التي انخرطت في دروب الجندية منذ قوات دفاع السودان وأشهر مناطق الكواليب دلامي وعبري وكتير وجبل روابة ومارديس وتقلي وتمتد أراضي الكواليب من أم برمبيطة شرقاً حتى هبيلا ودلنج الخلا حيث الحدود مع النوبة الغلفان من جبل روابة والهدراء وأم حيطان  جنوباً حتى الجبال الستة وهي الدباتن والكدرو والكرورو والكاقير وكرتالا والتيتل ولا يذكر الكواليب إلا وذكر المعلم والمربي الأستاذ النور كبسور أبوصليب الذي حينما فارق الحياة نعاه الشاعر عبدالمنان أحمد الرفاعي بقصيدة جاء فيها..

أيامك مضن مثل البروق الرفن

والنوح طال عليك ترع العيون ما جفن

تاج حب الوداد راقد معاك اتكفن

والدين والبشاشة اتقالدن واتوفن

وكان للتعليم أثره في تطور منطقة دلامي التي أنجبت رئيس شورى المؤتمر الوطني الحالي البروفيسور العالم كبشور كوكو.. والبروفيسور خميس كجو كنده وزير التعليم العالي الأسبق.. وأحد أفضل الولاة الذين جلسوا على كرسي الوالي بجنوب كردفان محمد مركزو كوكو الجنرال الذي بنى مجد دلامي وحملها على أكتافه شيد المدارس والمضيفة.. والاستراحة.. وقاتل التمرد بأبناء دلامي قتالاً جعله المطلوب الأول من أبناء النوبة عند الحركة الشعبية.. وقاتل مركزو حتى شقيقه الذي تمرد.. وابن عمه عزت كوكو رئيس أركان الجيش الشعبي.. ومن أبناء دلامي الفريق محمد جرهام عمر والعميد عمر نمر.. وخالد حسن بطران.. وأشقائه ياسر بطران وأبوبكر.. وتنعم دلامي بالاستقرار وعاد الآلاف من مناطق الحركة الشعبية وازدهرت الأسواق والزراعة تمددت ولكن يظل السلام مطلباً لأهل تلك البقاع.. من دلامي اتجهنا الى الشمال الغربي نحو الجبال الستة وتلك قصة أخرى نعود إليها إن كان في العمر بقية..

مقالات ذات صلة

إغلاق