أساطير سودانية سرالختم الخليفة.. الزاهد الأكبر في تاريخ السودان

بالتي كانت هي ألين.. كانت حياته.. وبالتي كانت هي أكثر حدة كانت قراراته.. وبالتي كانت هدأة نفس وطيب روح كانت علاقاته مع الجميع..

جمع ما بين اللين في التعامل مع طلابه والحدة في ظروف تتطلبها دفاعاً عن الحق والفضيلة وهو في هذا كان ذو شخصية مهابة في وسط كل من عرفه..

بالدويم وفي العام 1918م كان ميلاده وذلك لأسرة كانت من الأسر الدينية المعروفة بها. درس سرالختم بكتاب الدويم ومن ثم الأولية ومن ثم كانت كلية غردون التذكارية التي درس بها أربع سنوات خلال الفترة منذ العام 1934م وحتى اكتوبر 1938م وذلك بقسم المعلمين. كان من حظه وحظ جميع الذين درسوا معه بقسم المعلمين ان تصادف عام تخرجهم شروع الحكومة الاستعمارية في التوسع في التعليم بالبلاد فكان تأسيس معهد التربية بخت الرضا والذي استوعب آنذاك عشرة من نوابغ تلك المجموعة التي تخرجت من قسم المعلمين في ذلك العام 1938م وهم من الذين ساهموا بفعالية في مجالات كثيرة في تاريخ السودان دبلوماسياً واكاديمياً وادارياً وسياسياً وهم “البروفيسورات فيما بعد” محمد ابراهيم خليل وعبدالله الطيب واحمد الطيب احمد والاساتذة جمال محمد احمد وبشير محمد سعيد وبسطاوي بغدادي واحمد محمد سعد وعبدالرحيم الامين واحمد عبدالله سامي وبالطبع كان من ضمنهم الأستاذ سرالختم الخليفة.

عمل الأستاذ سرالختم الخليفة أولاً كمعلم بالمدارس لعامين وفي العام 1940م تم اختياره للعمل بمعهد التربية بخت الرضا وبقى ببخت الرضا لعشر سنوات ينشر غزير علمه وباهر قدراته الاكاديمية لطلاب المعهد من معلمي المستقبل وخلال هذه الفترة كانت قدراته المتميزة في القاء الدرس داخل قاعاته سبباً في اختياره في العام 1950م للسفر لانجلترا لمزيد من التدريب والاستفادة منه في تأهيل معلمي المرحلتين الوسطى والثانوي.

بمعهد التربية بلندن بقى لعامين فأذهل البريطانيين بمثابرته وجده واجتهاده بل وسرعة استجابته للدرس ومنظومة التدريب.

حين عودته من لندن في صيف العام 1952م كان قرار وزارة المعارف ووفقاً لمكاتبات معهد التربية بلندن سبباً في اختياره معلماً لمعلمي معهد التربية ببخت الرضا مساعداً لمستر قريفث والأستاذ عبدالرحمن علي طه.

منذ العام 1952م وحتى العام 1956م كان بقاؤه ببخت الرضا سبباً رئيساً في تعلق المعلمين بشخصيته الفذة فاستفادوا منه بل وكان قدوة حسنة.

شارك الأستاذ اسطورتنا في الكثير من الأنشطة المتعلقة بعمل المعهد ومن ضمن ذلك كان فاعلاً في المشاركة في وضع مناهج المرحلتين الوسطى والثانوية. في العام 1956م وفي يوليو منه ابتعث مرة اخرى للندن لنيل دراسات متقدمة في علوم التربية، فكان فترة اربعة اشهر ظهرت فيما بعد في ادائه المتميز في كل موقع عمل به، ومن ذلك انه وفور انتهاء بعثته الدراسية تم اختياره مديراً للتعليم بالمديريات الجنوبية كأول وطني يتسلم المنصب في العهد الوطني. لأربع سنوات شاقة بجنوب السودان كان الأستاذ في عمل مستمر وتجوال مضني بل ومرهق لتأسيس التعليم هناك.

يقول معاصرون له بأن عمله لم يكن بالكتب بل كان مزدوجاً فهو تارة مديراً للتعليم وتارة اخرى معلماً ومدرباً للمعلمين، واخيراً ما كان دهشة من شخصيته معلماً للطلاب داخل فصول الدراسة، وكعادة أقداره المدهشة فقد كان قرار وزارة المعارف بالاستعانة به كمدير للمعهد الفني بالخرطوم “جامعة السودان الآن” وذلك في خواتيم العام 1960م.

على يديه سار المعهد الفني من نجاح لنجاح ومن انجاز كانت بدايته رفع عدد المقبولين في أول عام يتسلم فيه العمل من 85 طالباً الى 140 طالباً وفي العام الذي  يليه 1962م كان العدد قد وصل الرقم 210 طالباً..

من غرائب شخصيته انه لم يكن يختار الوظيفة التي يعمل فيها، بل كان الآخرون هم من يختاروا شخصه لأصعب الوظائف بل وأشدها أداءً وأكثرها عبئاً عليه. وفي هذا فقد تم حين تنازع المتنازعون على رئاسة وزارة اكتوبر 1964م ان تم اختياره لها.

ظل رئيساً للوزراء حتى تاريخ 14 مايو 1965م وهي فترة كان فيها هو نجم الساحة السياسية بآرائه الحكيمة ووسطيته مع كل ما يطرح من آراء.

قاد قاطرة البلاد نحو سلامتها وأمنها نحو انتخابات العام 1965م وبعدها ظل وفياً لمهنة الأنبياء التعليم. لم يركن لحياة الدعة والراحة بل نهض يعمل في عدد من المواقع كان أهمها تطوعه للعمل كخبير تربوي بوزارة التربية دون أجر. وهو ما جعله كبيراً في نظر الآخرين.

عادت دورة الحياة مرة اخرى لاختياره سفيراً بانجلترا. وذلك في العام 1968م فكان خير سفير للبلاد. في السبعينات كانت رؤية قيادة الدولة لشخصه لتولي حقيبة التربية والتعليم وهي الفترة التي عكف فيها على تغيير طريقة امتحانات المراحل التعليمية الثلاثة الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

يذكر أحد المعلمين الذين تلقوا العلم على يديه ببخت الرضا في الاربعينات انه وحين عمله وزيراً للتربية والتعليم في السبعينات كان صورة طبق الأصل من شخصته قبل خمس وثلاثون عاماً. نفس الهمة والحماس والنشاط بل وقوة الارادة والتصميم.

داخل جمعيات ومنظمات أهلية كان وجوداً فاعلاً منها اللجنة الوطنية لليونسكو والمجلس التربوي السوداني، حين أتى نداء تأسيس جامعة ام درمان الاهلية كان أحد الداعمين للفكرة بل والحماس في عليائه لوجودها على أرض الواقع.

ظل الأستاذ منذ عمله كمعلم في العام 1938م وحتى وفاته في فبراير 2006م هي ثمان وسبعون عاماً في خدمة البلاد كأطول فترة يقضيها موظف دولة في تاريخ السودان عمل خلالها معلماً.. ومعلماً للمعلمين ومديراً للتعليم ورئيساً للوزراء وسفيراً ووزيراً وهو كذلك ما كان جمعاً ما بين مناصب لا تتوفر في شخص إلا ويكون بحق أسطورة من الأساطير السودانية..

مقالات ذات صلة

إغلاق