آخر الحكي – وجدى الكردى- حوار على حافة قبر

في ظهيرة حالكة الحزن، مُستبّدة الجَوَى والشَجَى و”قافلة معاي”. حملت رغبتي في الحياة، وقلت لنفسي: لـ “تزورنّ اليوم المقابر”. لم لا، وفيه الكثير من الحق واليقين، رغم أن في بعض اليقين كثيرٌ من الجهل والحُمق؟!

عند بوابة مدافن “حلّة حمد”العتيقة، تسولّتني سيدّة نحاسية اللون”حق اللبن”. كان طفلها عالقاً فيها مثل “ضب” خرافي. يختبئ خلف ثدي نبت من أعلى كتفها وسال عليهما.

تجاوزت قبر “إبراهيم مالك”. كان رجلاً ثرياً، لذا بدا قبره في بحبوبة من أمره. تذكّرت دار الراحل “أبو العتاهية”وكان قد علّق  عليها لافتة وهو مازال حيّاً على قيد شعره، قال: “أتطمع أن تُخلّد لا أبالك/ أمِنت قُوى المنيّة أن تنالك/ أما والله أن لها رسولاً/ بها لو قد أتاك لما أقالك/ كأنّى بالتُراب عليك يُحثى/ وبالباكين يقتسمُون مالك/ ولست مُخلّفاً في الناس شيئاً/ ولا متزوداً إلا فعالك).

يا إلهي..

توقّفت عند قبر زميلي المغدور، محمد طه محمد أحمد. كنت قد صوّرت مكان مرقده في ذاكرتي ساعة دفنه. من جهة الغرب تسكن “عيشة محمد”، وفي جنوبه يتمدد الموسيقار إسماعيل عبد المعين”.

غنّى عبد المعين في حياته: “ودُّوني لي غِبيش/ وقال ليّا حِش العيش/ الألمي الفي الحجر/ شربا الحمام وسدر/ والفقر ماندُورا/ كان قُبّة ما نزورا”. ها أنذا يا إسماعيل أتوقف أمام قبرك. لا يبدو فقيراً ذلك الفقر الذي ما “دُرته” في حياتك. مع إنّه ليس من قبّة “نزورا”.

تركت هدفي من زيارة الموتى، وطفقت أنبش في التاريخ الاجتماعي المكتوب على شواهد القبور لأستحلب العبر من “بورتريه الميّت”. براعة توظيف اللغة في المقابر، تستحثّ الزائر ليتطوع بالدعاء وطلب المغفرة، أو كيل اللعنات لغرابتها، أو لأنها ملحاحة “لايوقة”، لأن صاحبها كان يُسوم البشر الذُل والعذاب!

بعض شواهد القبور، تكاد تنتزع منك “الفاتحة” على الميّت بعبارات تحذيرية عن وجوب الترحّم، وأنك لو لم تفعل “حتموت هسّع وتلحقو”، فيما سلّمت بعض الشواهد أمر ميّتها لله، واكتفت بكتابة اسمه بخط رديء، وأغفلت طلب الرحمة وتاريخ خروجه غير المؤسوف عليه من الدنيا.

توقفت إحدى الأسر عند قبر بدّد سنامه عزيف الريح وصفير المطر والكلاب الضالة. قبل أن تدخل الأسرة في نوبة دعاء، انفلقت المقابر عن شاب بدّد القبر وسامته. انكفأ على القبر في حنو مصطنع. ملص حذاءه المُرهق وبدأ يلملم أطراف التربة إلى أعلى. لم يرفع رأسه قط وكأنه يقول لذوي الميت: “شايفين التعب دا”؟!

كيف ينكرونك يا صاحبي وما هذا بمكان يشحُّ فيه الناس ويمسكون. ألا تعلم إنّه لا تنمو في أي مكان زهرة تُسمّى “لا تنساني” إلا في المقابر؟!

ساوى الفتى القبر مستعيناً بكل الأدوات الممكنة. حذاءه وكفّيه وبعض أصابع قدميه ثم أخرج من بين طيات ملابسه “قزازة كريستال”، مثل سكيّر راوغ شرطياً لم يكن حريصاً للإمساك به. سكب الشاب محتويات القارورة بحرفية غطت مساحة القبر المتقوّس. استعدل ظهره مواجهاً أسرة الفقيد. مسح العرق من وجهه المعفّر بالتراب. استدار وهو يتمتم بمحفوظاته من أدعية الرحمة، ولم ينجح بما فيه “كفاية النشّالين” من دس ورقة مالية من فئات “الفاتح عز الدين الجديدة” في جيب بنطاله الخلفي وتوارى بين شواهد القبور.

مقالات ذات صلة

إغلاق