Site icon صحيفة الصيحة

حديث السبت

عرمان.. قصة بدأت في المعتقل وانتهت في جوبا

إقصاء الإسلاميين من الانتخابات أُمنية مستحيلة لقوى اليسار السوداني

(1)

أبعدت الحكومة الأسبوع الماضي، ثلاثة من قادة الحركة الشعبية المنشقة عن الحركة الأم بقيادة ياسر عرمان، واللواء خميس جلاب، وعبد الرحمن أردول، من الخرطوم إلى جوبا بعد إلقاء القبض عليهم كمعتقلين لأسباب لم تكشف عنها السلطات حتى الآن.. وتم إبعاد القادة الثلاثة إلى خارج حدود دولتهم السودان إلى الدولة المنشقة عن السودان طوعاً!!

حادثة إبعاد القيادات الثلاثة فتحت أبواب تساؤلات عديدة حول ظلال الحادثة وأسباب الإبعاد.. الذي يسمى (نفياً) في القوانين الوضعية في القرون السحيقة و(تغريباً) في الشريعة الإسلامية؟؟ فهل لا يزال في العالم الحالي دولة على قيد الحياة تُمارس النفي من الأرض؟؟ مثلما كانت تفعل أوربا!! التي تخلت طوعاً وتحضراً وإنسانياً عن مثل هذه العقوبات التي تنتمي لغير هذا العصر الإنساني الذي يحكمه العهد الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأربع!! وقبل أن تلج أروبا عهد النور والتنوير، كان عُتاة المجرمين والقَتَلة ومرتادو السجون يتم نفيهم من الأرض الأروبية إلى الجزر البعيدة مثل قارة أستراليا.. وسورينام وإلى جزر الرأس الأخضر في أفريقيا..

ولكن في العصور الحديثة، تم إلغاء عقوبة النفي عن الأرض.. وفي الشريعة الإسلامية تم النص على عقوبة (التغريب) أي إبعاد المجرم عن المنطقة التي يتواجد بها.. والمقصد من التشريع درء الفتنة وردع المجرم، ولكن داخل حدود الدولة الواحدة.. ولا يذكر تاريخ الأمويين ومن بعدهم العباسيون (تغريب) مدان خارج حدود دولته!! فهل استندت السلطات في قرار إبعاد ياسر عرمان ورفقائه الثلاثة إلى نصوص في قوانين الشريعة الإسلامية وقانون العقوبات الذي يخلو من نص بعقوبة (التغريب)!!

(2)

هل تم إبعاد ياسر عرمان ورفيقي دربه بالاتفاق بينهم والمجلس العسكري من داخل المعتقل؟؟ ولماذا الإبعاد إلى جوبا عاصمة دولة الجنوب، وليس لأديس أبابا التي تقود مبادرة (الإيقاد) التي يشرف عليها الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق ثامبو أمبيكي الذي آثر الانزواء بعيداً عن الخرطوم منذ رحيل الرئيس السابق عمر البشير عن السلطة؟؟ ويتمدّد سيل الأسئلة، لماذا لم يُبعَد عرمان وصاحباه إلى القاهرة أقرب العواصم الأفريقية والعربية إلى الخرطوم؟؟ ولماذا لا يبعد إلى أبوظبي، حيث تقود دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرة عربية بديلة لمبادرة قطر المعروفة بمنبر الدوحة؟؟ ولماذا صمت ياسر عرمان بعد وصوله لجوبا، والأمساك عن كشف تفاصيل ما حدث، وياسر عرمان من السياسيين غير (الكتومين)، وله علاقة حميمة بالإعلام والصحافة، مما يرجح فرضية وجود شيء مسكوت عنه.. واتفاق تم مهره بين القضبان..

وعرمان بعد وصوله الخرطوم بصورة مفاجئة، أطلق تصريحات مثيرة للرأي العام.. رحّب فيها بدور الإسلاميين في المستقبل في حال قبولهم التحول الديمقراطي واستعدادهم لدعم مشروع الديمقراطية والسلام في السودان.. ولم يبدِ ياسر عرمان عداوة وموقفاً سالباً من المجلس العسكري.. بل عقد مباحثات مع المجلس العسكري حتى بعد أن نقلت إليه قيادات في المجلس العسكري (تحفّظات) بشأن وجوده في الخرطوم، وهو محكوم عليه بالإعدام شنقاً حتى ولا يزال ذلك الحكم نافذاً، ولم يصدر عفو عام من الفريق البرهان بوصفه رأس الدولة عن كل قادة الحركات المسلحة.. ولم يصدر قرار من محكمة أعلى تلغي الحكم الصادر.. وحتى تلك  اللحظة يعتبر عرمان قائداً لجيش يقاتل الجيش الوطني القومي الذي يقوده الفريق البرهان!!

وبعد تصريحات عرمان عن تلقيه طلباً بمغادرة السودان من قِبل المجلس العسكري، شهد القصر الرئاسي في اليوم التالي حدثاً هاماً حيث استقبل اثنان من قادة المجلس العسكري، الفريقين شمس الدين كباشي، وهو ضابط حسن الأداء السياسي، والعقل المدبر الفريق ياسر عبدالرحمن العطا المرشح لدور كبير في الساحة السياسية في مقبل الأيام، لماذا يبدو ياسر العطا قريباً سلوكياً وأخلاقياً من البيه عبد الله خليل، كما كشف خبايا وأسرار الرجل الدكتور منصور خالد في مذكراته التي تعتبر دوحة (إمتاع) وعلم غزير.. استقبل الكباشي والعطا ياسر عرمان ورفيقيه في القصر، وصدر بيان وجد ارتياحاً في الساحة، وظن القراء  لظاهر أفعال السياسيين بأن سحابة الإبعاد من الخرطوم قد انقعشت.. لتأتي أحداث اليوم الأخير من رمضان، ويذهب عرمان لغياهب الجب سجيناً ومعه أردول وجلاب..

هل جاء القادة الثلاثة إلى الخرطوم بجوازات سفر جنوب سودانية لذلك تمت إعادتهم إلى بلدهم الذي منحهم جنسياته؟؟ وهذا يفتح باباً آخر للسؤال هل مثلاً يمكن إبعاد غازي صلاح الدين من السودان إلى بريطانيا بصفته من حملة جوازات السفر البريطانية؟؟ وهل إذا اعتقل المجلس العسكري يوماً الدكتور علي الحاج محمد الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، سيتم ترحيله إلى دولة ألمانيا التي منحته جواز سفرها بعد إقامته هناك لسنوات عديدة.. وهل تم ترحيل عرمان وصاحبيه بموجب اتفاقية تبادل المجرمين؟؟ وهل عرمان وصاحباه اعتبروا (مجرمين)!! حتى دون صدور حكم بتجريمهم؟؟ أم بموجب اتفاق تبادل سجناء؟؟ وهل عرمان وصاحباه ينطبق عليهما وصف سجناء؟؟

لم تسجل دفاتر التاريخ القريب حادثة مماثلة باستثناء حالة الصادق المهدي عندما اعتقلته سلطات مايو ونقلته إلى القاهرة!!  وهناك واقعة بابكر النور الذي أعدمه جعفر نميري.. ولا يزال القيادي الطلابي السابق في الحركة الإسلامية إبراهيم الماظ يمانع ترحيله قسراً إلى دولة الجنوب، ويتمسك بحق الإقامة في الدولة الأم بصفته سودانياً؟؟ فماذا جرى من وقائع بين جدران السجن وخارجه، وفي الطائرة العسكرية التي أقلت عرمان وصاحبيه من الخرطوم إلى جوبا؟؟

(3)

هل تعلم السودانيون من تجارب أمسهم القريب، وهل تأمل القارئ لهذه الكلمات قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

إذا المشكلات تصدين لي

كشفتُ حقائقها بالنظر

ولست بذي وقفت مع الرجال

أسائل هذا وذا ما الخبر

ولكني مدره الأصغرين

أقيس بما قد مضى من خبر

لم تتعلم النخب السياسية من تجاربها القريبة والبعيدة ومن القسوة أن نطلق عليها قوم (البوربون) الجدد الذين لا يتعلمون ولا ينسون، وبالطبع لا يتذكرون، وقد أربكت المشكلات بلداً قارة كالسودان، لم يتعلم ساسته ونخبه من وقائع طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان وحل الحزب الشيوعي واعتباره مارقاً.. بادعاء أن طالباً ينتسب للحزب الشيوعي، قد تطاول سفاهة على عائشة رضى الله عنها، كما تطاول من قبله سفهاء قريش ليبرئها رب السماء بآيات بينات.. وثمرة طرد نواب الحزب الشيوعي وحله انقلاباً قاده ما يسمى بالضباط الأحرار بقيادة العقيد جعفر محمد نميري بعد شعور الحزب الشيوعي بإقصاء اليمين له من مستوى الفعل إلى مستوى اليهود.. وجاء انقلاب الجبهة الإإسلامية في عام 1989م بعد أن تم طردها من الحكومة، والإقدام على اعتماد اتفاقية (الميرغني قرنق) التي كانت تستهدف إلغاء الشريعة الإسلامية، وحصلت الجبهة الإسلامية من خلال جهاز معلوماتها عن تدبير الحزب البعثي والحزب الشيوعي لانقلابات على الديمقراطية، وهي انقلابات كانت تستهدف الجبهة الإسلامية أكثر من استهداف الحزبين الحاكمين الأمة والاتحادي الديمقراطي، ولذلك نفذت انقلابها.. والإقصاء من الساحة والتضييق والحل القسري للأحزاب سبب مباشر للانقلابات العسكرية.. فمتى تتعلم النخب السياسية من تجارب الأمس القريب.. وفي الساحة الآن حديث ورغبات وسعي من قوى اليسار والحزب الشيوعي والمؤتمر السوداني وحزب البعث لإقصاء التيار الإسلامي العريض من الساحة ببطش السلطة التي تتخلق الآن في رحم الفترة الانتقالية ومحاولة تمرير تشريعات تحول دون مشاركة الإسلاميين في الانتخابات القادمة وحرمانهم من حق دستوري وطبيعي..

الإقصاء السياسي لعب دوراً كبيراً في تفجير الأوضاع في بلدان عديدة حول العالم، ويشرعن للعنف والانقلابات والإقصاء المتبادل.. والتيار الإسلامي في السودان يتكون من عدة تكوينات ومذاهب ومدارس فكرية منها الإسلام الحركي، الذي يمثله الإسلاميون في أحزابهم العديدة، الوطني والشعبي والإصلاح الآن.. وحزب منبر السلام العادل وحزب العدالة بجناحيه.. وهذا التيار الإسلامي راسخ في التراب الوطني، وله قاعدة عريضة لن تمحوها فشل تجربة أو سقوط حكومة.. والإسلام الحركي الأكثر قبولاً بالآخر.. ووعياً بالتجارب الإنسانية ويحظى بقاعدة عريضة في الأرياف والمدن والقرى.. وتسنده خبرة وتجربة جهادية في ساحات القتال والبذل والتضحيات.. ويعرف اليسار وأتباعه من الحركات المسلحة جسارة الإسلاميين عند الوغى، ودقة تنظيمهم وانفتاحهم على الآخر.. وتسامحهم مع من ظلمهم.. ولذلك إقصاء الإسلام الحركي من الساحة السياسية من شأنه دفع إسلام آخر للوجود متمثلاً في الإسلام السلفي والإسلام الجهادي.. والطالباني ويمثل  تيار نصرة الشريعة ودولة القانون تجلياً لهذا الإسلام السلفي، وبطبيعة الحال يمثل الإسلام السلفي بديلاً للإسلام الحركي.. وهناك الإسلام الصوفي الذي يتمدد بين الأحزاب الإسلامية بما في ذلك بعض اليسار مثل المؤتمر السوداني.. وإذا شعرت التيارات والمدارس الإسلامية بالإقصاء وتمدد العلمانية المحمية بالمؤسسة العسكرية، فإن ذلك يفتح الباب واسعاً لأطماع الطامعين وتمرد المتمردين.. وإحالة الساحة السياسية إلى مستنقع من العنف الذي لا يستفيد منه أي من طرفي المعادلة.. والحديث عن حرمان الإسلاميين من الانتخابات القادمة حديث لمغازلة القوى الإقليمية والدولية أكثر منه لمخاطبة الداخل، لأن الإسلاميين يملكون القدرة على حماية أنفسهم وتيارهم ورؤيتهم.. ورصيدهم في بنك الجماهير وصناديق الانتخابات يجعلهم الحصان الرابح في السباق، إذا توحدت أطرافهم..

Exit mobile version