Site icon صحيفة الصيحة

منى أبوزيد تكتب : التجديد في زمن التقليد..!

منى أبوزيد

22  مارس2022م
“الحُكْم نتيجة الحِكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حُكْمَ له، ومن لا معرفة له لا علم له” .. محيي الدين بن عربي..!
في شهر مارس الجاري هذا حلَّت الذكرى السنوية لرحيل الشيخ حسن الترابي – رحمه الله – قبل أيام من الاحتفال بيوم المرأة العالمي، ويوم الأم العالمي. والحديث عن مكانة المرأة في فكر الشيخ الترابي يستوجب احتفاءً أكبر وتركيزاً أعمق على أنسنته لقضايا النوع، بعيداً عن مواقفه ووقفاته السياسية، وقريباً جداً من مشروعه الفكري الخاص بمكان و”مكانة المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع”..!
أطروحات الشيخ الترابي عن المرأة كانت نقلة فكرية هائلة أفرد لها مؤلفات ومساحات واسعة في ندواته وفتاواه، وقد تفوّق في تأسيسه لرحابة معانيها الإنسانية وسعة مبانيها الفكرية على مفكرين ليبراليين كثُر دعوا إلى تحرير المرأة من قيود التقاليد وأسهبوا في المُطالبة بالمُساواة بين حقوقها وحقوق الرجل في كل شأن. حتى أنكر عليه ذلك حراس بوابات الفكر الديني، وذهب بعضهم إلى تكفيره، لا لشيء إلا لأنه قد رفض الركون إلى التسليم بالموروثات والمسلمات في فهم دور المرأة في الحياة ومكانها من الرجل ومكانتها في المجتمع..!
الدكتور حسن الترابي دعا إلى أن تقود النساء الجماعات السياسية والأحزاب أيضاً وضرب مثلاً ملكة سبأ “بلقيس” التي ورد ذكرها في القرآن، وأشاد بتطبيقها لمبدأ الشورى واحترامها للعلاقات الدولية. وأجاز استمرار زواج المسلمة بالكتابي، وهو ذات الاجتهاد الذي أقره المجلس الإسلامي الأوروبي في العام 2003م. وقال – أيضاً – إن أمّنا حواء هي أصل الخلق، وقال إن شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل، وأنكر تفسير آية الحجاب بشكلانية الحجاب التي اتفق عليها معظم الأئمة..!
والحقيقة أن تاريخ الفكر الإسلامي – فيما يختص بالمحاور التي قدم الدكتور “حسن الترابي” أطروحاته الفكرية المتكاملة بشأنها – قد غلب عليه السكون منذ عهد الإمام الشاطبي وحتى إعلانه هو عن جملة مساهمات فذة في تحرير المرأة المسلمة وفق أصول القرآن وأصول السنة والسيرة..!
وعند الترابي حواء هي أول الخلق وليس آدم عليه السلام وأما قوله تعالى “إني جاعل في الأرض خليفة” فلا يعني أن الخليفة بالضرورة رجل. وقد أخذ الصحابة بشهادة امرأة واحدة في سبب نزول بعض الآيات وفي تخريج بعض الأحاديث. وقد أنكر الترابي فضل الذكر على الأنثى باعتبار أن جملة “ليس الذكر كالأنثى” الواردة في الآية الكريمة هي جملة اعتراضية قالت بها أم مريم عندما وضعتها لأنها كانت قد نذرت من تلده لخدمة الله..!
وإذا كان الشيخ الترابي قد ارتد عندما جوَّز للمرأة الإمامة الكبرى والقضاء والوزارة ونحوها، وأن تؤم الرجال في الصلاة، فقد ارتد الإمام الطبري والإمام ابن الجوزي اللذين قالا بنفس ما قال. وقد أجاز للكتابي أن يتزوج المسلمة لأن أهل الكتاب الذين عناهم ليسوا مشركين، فهم يؤمنون بالله الواحد. وإذا كانوا مشركين فلا يجوز للرجل المسلم نفسه الزواج من نسائهم، كما أقرت الآية الكريمة..!
وهو ليس أول من قال بأن الحجاب بشكله السائد ليس إسلامياً وإنما هو للباس عربي قديم سبق الإسلام. فقد قال الإمام الصادق المهدي – رحمه الله – بنحو ذلك أيضاً في إحدى حلقات برنامج “عدد خاص” الذي كان يبث على قناة النيل الأزرق قبل سنوات، عندما سألته عن مفهوم الحجاب قال إنه الحشمة، وضرب مثلاً بالثوب السوداني الذي كنت ألبسه. فضلاً عن تأكيده في ذات الحوار على أن شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل..!
لقد قدم الدكتور حسن الترابي بأطروحاته وفتاواه مساندة فكرية عظيمة للمرأة، وتخطى في سبيل ذلك عوائق “الجندر” ومزالق الفكر الذكوري إلى رحابة الانتماء الإنساني الجليل، وأسس لبنات فكرية جادة وجريئة تخدم نسيج الأسرة وتماسك المجتمع، وترفع من قدر المرأة المسلمة، وتعلي شأنها العام ومكانتها الخاصة. وبفقده فقدت نساء السودان والأمة الإسلامية إماماً ونصيراً وقائداً فكرياً. وعلى الرغم من مرور سنوات على رحيله لا يزال السؤال قائماً، من الذي قد يرتقي خلفه – من تلاميذه – على مدارج الأطروحات الفكرية والفتوحات المعرفية..؟!

 

munaabuzaid2@gmail.com

Exit mobile version