نهى عبد الله سليمان تكتب : وداعاً حبيبي.. فقد عمّ خبرك القُرى والحَضر

14يناير2022م 

في جمعة الثالث من شهر ديسمبر 2021، كان ذلك خبراً فاجعاً مؤلماً يسمم الأبدان ويجمد الحواس، يفقد الإنسان إحساسه وحواسه. جف الحلق واللسان.

حزن كسى كل الآلات الموسيقية من أعواد وكمنجات ووتريات وآلات نفخ، فما بال الشعراء والملحنين والعازفين وملايين الولهانين بحب غنائك وشدوك وألحانك التي تدغدغ المشاعر وتلامس نياط القلب وحبك للناس خلاني أحبك تاني وتاني ومليون يا كابلي.

خبأ نجم من النجوم وقامة من قامات الفن السوداني الاصيل.. ونهر وبحر ومحيط وكون شاسع ممتلئ بالحب والجمال والأدب والشموخ.

رحل عنا فناناً يتجسّد فيه فنا متكامل الغناء للتراث وبالتراث والتعمق في التاريخ والأدب  والوعي والجمال.

الغناء للجود والكرم والبسالة، وشعر البادية، ويسلم لي خال فاطنة البدرج العاطلة  وخريف الرتوع

الشق قمر السبوع

مر على مكامن الشعر العربي قديمه وحديثه، أمطرت لؤلؤاً وسقت وردا

وعضت على العناب بالبرد

غنى للألم وفقد فلذة الكبد، ويجري مدمعي شعرا

أنا أبكيك للذكرى

بعد أن صب دموع الحزن على فقيدته سلمى

وعبدت القبر يا حبي لان القبر ضماك

وعبدت الله في سري لأن الله سواك

غنى الكريم عبد الكريم الكابلي لسيد الأنبياء والرسل نبينا الكريم (عليه الصلاة والسلام)، وليلة المولد يا سر الليالي والجمال، ولم ينس أن يطوع كل الآلات الموسيقية تجاه كل كلمة صاغها في قصيدته البديعة.

لعباً حركه المداح غنى فتغنى وتغنى

وكانت الثورة حاضرة في كلماته وألحانه

وهبت الخرطوم في جنح الدجى

ضمدت بالعزم هاتيك الجراح

وطغى حضوره عندما صدح لمؤتمر دول عدم الانحياز في باندونق.

غيب المنون بولاية ميتشجان الموسيقار عبد الكريم الكابلي عن عمر يناهز الـ90 خريفاً حافلة بمسيرة فنية رائعة .. ولد الكابلي بالشرق مدينة الجمال بورتسودان وترعرع فيها.. لقد أدهشتني سيرة هذا العملاق النادر ونحن نلتقط قبسات من عطائه الدفاق، وقد يتفاجأ البعض بأن الكابلي كان يعمل بالسلك القضائي لحقبة من الزمان وبدأ يشتهر بعالم الفن حينما وفد الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر للسودان،  وقدم الكابلي أنشودة آسيا وأفريقيا للشاعر تاج السر الحسن وقف له الرئيس جمال عبد الناصر مصفقاً ومحيياً وهو الذي لم يصفق لأي فنان قبله سوى لأم كلثوم فأي فخر هذا الذي نلته يا عبد الكريم.

كان باحثاً للتراث ومطرباً وملحناً وشاعرا، صدح بأغنيات أطربت الاذان داخلياً وخارجياً، بدأت ألحانه وشعره قبل أن يعرفه الجمهور كفنان، فأهدى قيثارة الطرب عبد العزيز داؤود رائعته خفيفة الظل، يا زاهية يا لاهية قلبي الشلتي جيبي.

وشيئاً فشيئاً احتل عبد الكريم عبد العزيز محمد عبد العزيز الشهير بالكابلي وجاءت الروائع مروي وضنين الوعد… زمان الناس هداوة بال.

كان يُجيد الفصحى بسلاسة تجلت للعيان في روائعه صداح يا ملك الكنار للشاعر أحمد شوقي وعصي الدمع لأبي فراس الحمداني وشذى زهر للشاعر عباس محمود العقاد. وكان الفقيد ثر العطاء ينبوع القوافي واحرف المدح والثناء.

لقد تابع الجميع وعكتك الأخيرة، متمنين أن تعود لهم لتتابع عطاءك، ولكن صدم الجميع بأنك لن تعود لبلدهم ولعشاقك وحتى جسدك الطاهر كطهر حنجرتك الذهبية لم يضمه ثرى السودان والذي عشقته حد الثمالة. ونلوم القائمين على أمر الثقافة والإعلام كيف لا يسعون ولو عبر اليراع ليدعو لضم هذا المتحف الفني لبلده، لقد ووري جسده بعيداً عن محبيه، ولكن نقل له انك باق في وجدان الشعب، فأنت حبيب عمر لكل من سمعك وكل ذلك، بحبك للناس وتركت لنا صرحاً مملؤا بالأشجان وأعذب الألحان يجعلك بيننا حياً لأننا فُجعنا برحيلك.

نهى عبد الله سليمان

رفاعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى