Site icon صحيفة الصيحة

سنة أولى سياسة..!

لم يكُن غريباً أن يظهر ما يُسمى بتجمّع المهنيين، وبعض رموز تحالُف الحرية والتغيير في هذا المظهر الفاضِح، ويُعلِنون تنكّرهم لكل ما هو مُتعارَف عليه في السلوك والمفاهيم الديمقرطية، فمنذ رد المجلس العسكري على الوثيقة الدستورية التي قدمها  تحالف القوى التي تدَّعي صناعة الحراك الثوري وتمثيله، تكشّفت منذ تلك اللحظة الأسنان اللَّبَنية ونَزَق الطفولة السياسية لبعض القيادات التي تُريد الوصول إلى السلطة بأي ثمن من هذا التحالف السياسي المؤقّت، فمع الاضطراب والتوتّر البائن في اليومين الماضيين لثلة قيادات التحالُف المُتطلِّع لِتسنُّم مقاعد الحكم، إلا أن أكبر مثال يشير لهؤلاء ونواقصهم، هو رفضهم البائن لما لوّح به المجلس العسكري الانتقالي في المؤتمر الصحفي أول من أمس،  بأنه سيدعو لانتخابات مُبكّرة عقب ستة أشهر في حال لم يتوصّل إلى اتفاق مع الحرية والتغيير، ووصلت المفاوضات إلى طريق مسدود ..

 حسناً.. رفضوا التلويح بالانتخابات المُبكّرة، فهل هناك قوى ديمقراطية حقيقية تؤمن بالانتخابات والتحوّل الديمقراطي ترفع عقيرتها رافضةً ومستهجنة وغاضبة من الاحتكام للانتخابات كوسيلة لتبادُل السلطة سلمياً..؟ لماذا تخشى هذه القوى الانتخابات..؟ هل بسبب خوفها من ضآلة وزنها وخِفَّته  لأنها أحزاب في وزن الريشة أو وزن الذبابة أو الديك كما في حلبات الملاكمة أم لأسباب أخرى تتعلّق بارتعابِها من رأي الجماهير فيها..؟ إذا كانت الأحزاب اليسارية والمجموعات التي تقود تحالُف الحرية والتغيير وما يُسمّى بتجمّع المهنيين، تثق في الشعب السوداني ووِقْفته الكاملة معها، فلماذا تخشى الانتخابات؟ لأنها بهذا المنطق الذي تقوله ستكتسح أي نزال انتخابي وتفوز فوزاً ساحقاً..! فهل ما يُبرر رفضها  لصناديق الاقتراع هو عدم ثقتها في نفسها، أم هو عدم ثقتها في الشعب السوداني الذي تدّعي تمثيله وتتحدّث باسمه ..!

  لقد كان أحد قيادات الحرية والتغيير واضحاً بما يكفي لإطلاق رصاصة الرحمة على مساعي تحالُفه، عندما أقرّ بأن أحزاب التحالُف لا حظَّ لها في الفوز بتأييد الجماهير في الانتخابات المُقبلة، وهذا وحده يكفي للتدليل على السعي المحموم من قوى الحرية والتغيير للهيمنة على الفرة الانتقالية، وقصْر المشاركة على مُكوّناتها وإصرارها على عدم مشاركة أي كيان سياسي آخر معها، بالإضافة إلى الحرص الماكِر على أن تكون الفترة الانتقالية أربع سنوات، ولا يُستَساغ أبداً  أو يُقبَل من قوى تدَّعي أنها ديمقراطية أن تُفكّر بمنطق الخوف، والخوف ممن، من الجماهير نفسها…! فالمنطق السليم أن بعض مُكونات قوى الحرية والتغيير لا تُريد أن تنتظم العملية السياسية وفق مساراتها المعروفة وخياراتها المُمكنة، فلو تعذّر في أي مكان في الدنيا تقدّم العملية السياسية وتعقّد المشهد العام، ووصل الجميعُ إلى طريق مسدود، يكون الخيار هو اللجوء إلى الصندوق الانتخابي، واللجوء إلى الشعب والقبول بحُكمه .

أصول وقواعد اللعبة السياسية، فمن كانت لياقته لا ترقى إلى مستوى التنافُس وخوض النزال لا ينبغي له إلا أن يقف على طرف الملعب وخارج الدائرة، ويُكثر من الضجيج والاعتراض، وهو ما يفعله السلطوِيون الجدُد الآن من كوادر سياسية لم تزل تبحث لها عن مكان في خارطة العمل السياسي، مستغلة جموع الشباب في الاعتصام، ومن عجب أن القيادات الحزبية اليسارية وواجهاتها التي ظهرت بها، بدت خائرة وحائرة من مُجرّد ذكر كلمة الانتخابات،  لأنها تعرف حجمها ووزنها، وما تقوله من مُبرّرات هو ما تخشاه بالفعل، تظن أن خصومها جاهزون للانتخابات ولديهم ما يقولونه ويقدّمونه ويدخلون به الميدان التنافسي، بينما هي ليس لديها غير الخطاب السياسي الهُتافي الذي لا يمكن أن يقنع أحداً بعد ذهاب النظام السابق، فقد سجَنت قوى الحرية والتغيير نفسها في شرنقة خطاب سياسي مبني على مُجالدة ومحاربة النظام السابق، وليس لديها بعد ذلك من أفكار وآراء وتصوّرات وبرامج لمشروع سياسي وطني جديد، والصياح لا يصنع وطناً في خيالات من هم سنة أولى سياسة ..

Exit mobile version