بهاءالدين قمرالدين يكتب : ولماذا لا يحدث انقلابٌ؟! (1)

كل الأجواء كانت مهيأة لحدوث انقلاب عسكري أو مدني أو (عسكري مدني)؛ على حكومة الثورة والفترة الانتقالية!

وكل المؤشرات كانت تدل على أن هنالك (أمراً ما) خطيرا يدبر بليل بهيم لإجهاض التغيير الكبير والتحول الديمقراطي العظيم الذي تشهده بلادنا، تخلق جنينه بعيد نجاح ثورة ديسمبر الظافرة واقتلاع الشعب السوداني الأبي لنظام الجبهة الإسلامية الباطش وإلقائه في مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه !

كانت البلاد ولا زالت تعيش انفلاتات أمنية خطيرة في جميع أنحائها وأصقاعها، لم تشهدها من قبل، حيث كثرت أعمال السرقة والنهب والقتل نهاراً جهاراً في كل أنحاء العاصمة القومية وبقية الولايات، وانفرط عقد الأمن ولم يعد الناس يأمنون في منازلهم أو في الشوارع، أو حتى في أماكن العمل!

سيولة أمنية خطيرة وغياب تام لاجهزة الشرطة والأمن؛ ليل نهار في الطرقات والشوارع بلا استثناء؛ بل هنا في قلب العاصمة الخرطوم وعلى مرمى حجر من (القصر الرئاسي) وأمام أعين الأجهزة الأمنية؛ حتى انك لتتجول في كل شوارع الخرطوم بمدنها المختلفة ام درمان، بحري والخرطوم، بحرية تامة منذ الصباح الباكر حتى الساعات الأولى من صبيحة اليوم التالي, وقد تحمل بيدك مسدساً او بندقية او دوشكا, وقد تقود (دبابة وتاتشر او طائرة), و لا تصادفك دورية للشرطة او نقطة ارتكاز او سواري وعسس تطوف الليل تحمي العباد وتأمن البلاد, ولا يستوقفك احدٌ ويسألك ما هذا الذي تحمله، وما هذا (الشر الذي تتأبطه), وماذا تود أن تفعل؟!

بل وعمّت الفوضى الخلاقة والانفلاتات الأمنية الأكبر والأخطر كل ولايات السودان, وفي شرقنا الحبيب ألقى المتفلتون قنبلة قرنيت في أحد الأندية الرياضية في قلب مدينة بورتسودان ثغر السودان الباسم, وقتلوا ارواحاً طاهرة وانفس بريئة؛ وتكررت هناك حوادث القتل والموت والفتنة بين المكونات القبلية والاثنية بوتيرة مخيفة ومقلقة !

واستفحل الانفلات الخطير في الشرق، لدرجة قطع الطريق القومي وإغلاق الميناء الرئيسي, واقامة (الترس) الكبير، والمطالبة بصوت جهير وامام كاميرات القنوات العالمية بانفصال الشرق والحكم الذاتي والخروج على السلطة والتهديد بفعل (كل شئ) من اجل تحقيق المطالب المشروعة وغير المشروعة بتِرِك ومرك وحرب وحرق !

في مشهد محزن عنوانه الفوضى الكبرى وغياب الأمن!

وذات السيناريو الدامي حدث في غربنا الحبيب في مدينة الجنينة والفاشر ونيالا والسريف بني حسين!

بل امتدت نيران الفتنة المصنوعة حتى الى شمالنا الحبيب وولاية الجزيرة الخضراء، وارتفعت أصواتٌ هناك تؤيد ما حدث في الشرق وبعضها ينادي بالانفصال والحكم الذاتي أُسوةً بدارفور والنيل الأزرق حسب زعمهم  !

ولكن الانكى والامر من ذلك كله، غياب هيبة الدولة وصمت الاجهزة الامنية المريب والقاتل !

كل تلك الانفلاتات الامنية، وكل تلك الدلائل كانت تنذر بحدوث انقلاب، فقد انفرط عقد الأمن, ونامت (نواطير) البلاد او تناومت وغضت الطرف عن كل ذلك العبث الخطير والعوار الكبير!

مما هيأ الأجواء وشجّع اعداء الثورة وفلول النظام البائد على الانقلاب على الشرعية وإجهاض جنين التحول الديمقراطي الذي لايزال في طور التخلق والتكوين والنشأة !

واما على صعيد المشهد السياسي وحكومة الفترة الانتقالية والشركاء والحاضنة السياسية، فقد كانت الخلافات تستعر نيرانها حتى بين مكونات احزاب السلطة المدنية, ودبت الصراعات في كتلها المختلفة, وصار كل حزب يلقي باللائمة على الآخر ويُحمِّله مسؤولية التدهور والحال المزري, حتى أجهضت الحاضنة السياسية, ووجهت سهام النقد الحارق للحكومة من (كنانتها), لدرجة ان نادت وسعت بعض احزاب الثورة التي شاركت في نجاحها، نادت بإسقاطها (تاني وتالت ورابع)!

وسلقوها بألسنة حداد, وما قالته بعض احزاب الثورة في حكومتها، لم يقله حتى أعداؤهم (الكيزان) والفلول انفسهم!

وظلت بعض احزاب الثورة تحمل معاول الهدم (الحمراء) وتهد جدارها المتين وتدك بناءها القوي والشامخ حتى يخر للأرض!

اما الشعب السوداني، فقد اكتوى بنيران الفقر والإفقار والمعاناة, وزادت مواجعه وآلامه بعد قيام الثورة, وضاق الحال بالناس؛ حتى صار الحصول على (لقمة العيش الكريم) ضرباً من الشقاء والعناء يفضي للجوع والعذاب!

بالله عليكم في ظل هذه الأجواء القاتلة والخانقة والبيئة المُهيأة والمفتوحة على كل الاحتمالات، كيف لا يحدث انقلابٌ؟!

ونواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى