Site icon صحيفة الصيحة

بهاءالدين قمرالدين يكتب.. الكتيابي شاعرٌ تمقتُه الأنظمةُ الديكتاتوريةُ!   

إذا أردنا الحديث عن شعر عبد القادر الكتيابي، علينا أن نضع لنا تصوراً معيارياً للشعر من الناحية الفنية كي نقيس عليه شعره، من هنا فإن المعيار الفني الذي سنعتمد عليه هو مفهوم الحداثة في الشعر، والآخر فهو فهمنا المُتواضع للشعر المعاصر.

الحداثة أو الشعر الجديد كما يعرفه أدونيس هو: (عبارة عن إبداع وخروج بالشعر عن السلفية, أي يكون رؤية, والرؤية بطبيعتها ثورة خارج المفهومات السائدة).

أي أنّ الحداثة هي موقف كياني من الحياة عموماً. وعليه فإن الحداثة في الشعر يُقصد بها الحقيقة الخاصّة للشعر الجديد أي هو العالم الذي لا يعرف التقليدية في التناول والعرض والأغراض والأدوات.

فالكتيابي حباه الله ذلك، ومُعظم شعره يُعد من شعر الحداثة والتجديد لما فيه من التّشويق والرمزية والتمرُّد على المعروف.

فاقرأ إن شئت لعلك تكشف المخبأ

ففي قصيدته (شراع الفجر) يقول :

إن طالما آثرتني بالخطر

فاضرب لي طريقاً في عباب البحر.. بين الحرف والمحروف

وامدد لي شراع الفجر

منجذب أنا في أنت

حال النبت منذ البذر ..

فامدد لي شراع الفجر كي ألج المرايا

لم يبق إلا طور هذا الشعر ترقص ناره للريح

وأكثر من هذا تجده بوضوح في شعر الكتيابي، وإن كنتُ هنا أركز على شعره السياسي ونقده للسياسة والسِّياسيين، فنحن ما نقول إلاَّ ما يتراءى لنا من خلال ما هو متاح من نصوص شعرية من شعره، فما يُحرِّكنا للقراءة والعرض هو ذات النص وما فيه، فحقٌ لشاعر يعلن صراحةً بغضه لأجهزة الأمن ويسخر من الجلاد، حقٌ له أن يكون نافذتي التي أرى بها الأشياء واتّخذها مطية لمجاهرة العداء لكل ألوان الظلم والطغيان، ولا يهمنا التوجه الخاص للشاعر واعتقاده، ولكن يكفي أنه يبغض الاستبداد أيّاً كان شكله، فمثل هذا الشاعر لا يكون له من ود الأنظمة الشمولية نصيبٌ، فها هي سنين عجاف قد مرّت  فما سمعنا بهذا الشاعر أنه وقف مع هذا النظام أو أي نظام استبدادي آخر، فمن خلال ما قرأنا له استشفينا موقفه الذي يجعله لدى كل الأنظمة الشمولية ممقوتاً

ففي قصيدته (دور قافيتي) يقول فيها :

مكاني… آخر الطابور

والجلاد يرضع من لسان السوط شهوته .

ويرمقني كما لو كنت قهوته ..

فلي قدري.. ولي كأسي ..

عرفت الآن كيف غدي

فساعة حائط الأضلاع سابقة ..

وحاضر يومهم أمسي …

وهنا يظهر بوضوح براعة الشاعر في التصوير، فهذا مشهد كأنّك تراه على فضاء مسرحي، فثمة شخص كالشبح يقف في آخر الطابور وما أكثر هذه الأشباح في دولة اللا قانون والتسلُّط والإقصاء، ولا ينتهي المشهد عند ذلك فحسب، فالجلاد يُمارس شَهوته في الانتقاء ليختار من يسومه سُوء العذاب تُحرِّكه في ذلك ساديته وجبروته وحبه للسلطة والتسلُّط!

فانظر إن شئت إلى جمال الوصف والعبارة في (يرضع من لسان السوط شهوته) وفي (كما لو كنت قهوته) .

وفي قصيدته (علي الطلاق) يقول :

(علي الطلاق ..

مكاء صلاة اليمين عليك ..

وحج اليسار إليك نفاق ..

وأقطع حد ذراعي رهانا

ستصبح ثم تراهم سمانا ..

وثم يشد عليك الوثاق

لتعرف أن المنابر سوق ..

وأن البضاعة أنت) .

وهنا رغم المباشرة في الشعر إلاِّ أنه يقول رأيه صراحةً وبكل وضوح فيما يجري أمامه من المشهد السياسي، فالكل المعروض لإحداث التغيير السياسي محض كذب وزيف ونفاق، وأنّ الأمر عنده لا يخرج من كونه تجارة رائجة عندهم، والوطن عندهم بضاعة ليس إلاِّ .

 

Exit mobile version