Site icon صحيفة الصيحة

صلاح شعيب يكتب : الاستثمار في فتنة الجهات والتنوُّع القبلي عبر الوسائط

كان الترابي لمّاحاً في توظيف القبيلة بدهاء الخبث السياسي عند منعطفات تجربته العشرية لصالح ترسيخ نموذجه لإعادة صياغة الإنسان السوداني إسلاموياً. ومن جاءوا بعده ذهبوا بالعُنصرية إلى آخر شوط، وأضافوا زمناً إضافياً. حسناً دير بالك!. إنه اشتغل على مستويين في هذا الكفاح الحركي. أولاً وظف علي الحاج عبر ديوان الحكم الاتحادي لتقطيع البلاد إلى نظارات، وعموديات، وحواكير، بدعوى تقليل الظل الإداري. أما المستوى الثاني فكان معنياً بشعبة القبائل التي تتبع لتنظيم المؤتمر الوطني. كل هذا طبعاً لحاجتين: تفكيك النسبي في الحِراك القومي السوداني، ورده إلى جذوره الجهوية، والعشائرية، والقبائلية، على أن يُعاد تركيب هذا الحِراك بعمد، ومشائخ، ونظار جدد، يكون مصب نهرهم في تمكين الإسلاميين في الدولة.

أما الحاجة الثانية للشعبة فلتقويض أسس الأحزاب التقليدية، وهما الأمة، والاتحادي، بالتزامن أيضاً مع شغل علي عثمان لتجيير زوايا الصوفية، والجمعيات الخيرية، عبر وزارة الرعاية الاجتماعية، وبالتزامن أيضاً مع تقويض دور اليساريين، والمستقلين، في المجتمع المدني، ونقابات الخدمة العامة، والخاصة. وعودة لشعبة القبائل التي ضمنها الزميل فتحي الضو في كتابه المعنون بالخندق، فهي كانت أساسية من ناحية أخرى لتحشيد القبيلة محلياً، ومركزياً، وحصر الأشداء فيها، واستقطابهم، حتى خلصنا إلى ما يسمى بيعة القبائل للمؤتمر الوطني. إذ يغدو لكل انتهازيي قبيلة جمع عدد من الهتيفة ليظهروا في شاشة التلفزيون ليرددوا بعد قرار الجنائية الدولية قسم الولاء للبشير بحلاقيم مشروخة.

الإسلاميون يدركون تماماً أنه لا يوجد برلمان للقبيلة يجوز لها اتخاد قرار كهذا، خصوصاً أن القبيلة تضم الشيوعي، والناصري، وحزب الأمة، والاتحادي، والملحد، والمثلي، والفنان، وكومرد الحركة الشعبية، وجناح مناوي.

الشغل القبلي للإسلاميين عندما كانوا في السلطة هو ملمح واحد فقط لشغل استقطابي موازٍ في الرياضة، والثقافة، والفن، والإعلام، واتحاد الغرف التجارية، ونقابات العمال، والمحامين، وهلمجرا. أما بعد أن فقدوا السلطة فالآن هناك شغل متذاكٍ يبذله أبناء، وبنات، الحركة الإسلامية لفتنة القبائل عبر غمر وسائط الميديا الحديثة في “الفيسبوك” بمواد مفخخة. وكذا عبر قروبات جهوية، وقبلية، في تطبيق الواتساب، إذ تتخذ طرحاً ناعماً لدعم المناطق، والقبيلة، خدمياً، وتنموياً كمدخل لتسييس القبيلة لصالح هدف الإسلاميين: قلب موازين العقل السياسي السوداني جهوياً.

طبعاً هناك قروبات لأشخاص حسني النية يكونوها، وهي معنية بأبناء ولايات، وقبائل، لدعم هذه المناطق خدمياً، وإعلاء شؤونها التعارفية الاجتماعية، والثقافية، ومساعدة المحتاجين، دون أهداف سياسية. ولكني أقصد هنا القروبات التي يقوم بوظيفة الأدمن فيها إسلامي، أو عدد منهم. وهذه موجودة، وسهل معرفتها. وأحياناً يخفي الأدمن اسمه حتى لا يكشف كنه توجهه السياسي. بل إن هذا النوع من الأدمنجية الإسلامويين “مبدع” جداً في الغتاتة. فهم لديهم قروب لتجميع الصحفيين، والمهندسين، والعمال، والسباكين حتى، ليشكلوا رأياً عاماً لصالح الإخوانجية عبر ضخ مواد معينة سلبية إزاء الوحدة الوطنية. وبورديات صباحية ومسائية يشغلون عضوية القروب بأخبار تثير الإحن العرقية في الشمال، والغرب، والجنوب، والشرق، والوسط. وهذه القروبات تضمّني بلا إذنٍ، ولكني لا أخرج منها لسبب أنها تصبح مصدراً لمعرفة قدرة الإسلاميين المتذاكية في تفجير اهتمامات الكيان السوداني إلى جغرافيات، وبطون قبائل، وفئويات مهنية، وجمهور رياضات حتى، ورواد حقيبة، وتقليعات القونة التي غنت للبشير. وبالتالي ينجح الأدمنجية الإسلامويون في حصر هم الناس عند التفاصيل المحرضة للقبلية حتى ينسوا الطرح العام الوطني الذي ينبذ الإخوان. ومع ذلك ألحظ بواراً لهذا السعي لجهونة، وقبلنة السودان كله، إذ أنّ لدى جهات وقبائل السودان الكثير من الوعي المكتسب الآن.. فحواه هو ألا سبيل لجهات السودان الخمس، وقبائله، سوى ضرب مخططات الفتنة العرقية للعيش في سلام بعد تسوية التظلمات التاريخية بشكل جاد. والسؤال هو أنه إذا فشل الإخوان جناح المؤتمر الوطني، وخلفهم الدعم الحكومي اللوجستي، في تفجير السودان قبلياً، فكيف يمكنهم النجاح من منصات ماليزيا، وقطر، وتركيا في العودة؟.

شخصياً لن أجمد عقلي مطلقاً لأنظر للمشهد الآن بناءً على خلفيتي الجهوية، أو القبلية. فما أدركه أن هناك تفاوتاً في التنمية العمرانية، والبشرية، بين جهات السودان الخمس نتيجة لعوامل تاريخية بدأت منذ السلطنة الزرقاء، وغذّتها نخب السلطات المركزية عند كل مرحلة. هذا التفاوت التاريخي بين كسب جهةٍ وأخرى، وبين المدينة والقرية، ممكن معالجته بعقلانية. بل هو معترف به في أدبيات كل القوى السياسية المركزية بما فيها الدولة نفسها، وعالجته نظرياً تحت ضغط السلاح خلال اتفاقيات أديس أبابا، وميشاكوس، وأبوجا، والدوحة، وجوبا، مع الجبهة الثورية الجناحين، وهناك فرصة المؤتمر الدستوري الذي سيناقش هذا التفاوت باستفاضة. ولا يزال هذا التفاوت موجوداً، ولم يُطبّق ما هو نظري في تلك الاتفاقات لحسم هذا الموضوع لصالح دولة وطنية تحقق حقاً شعار حرية، سلام، وعدالة.

فما تحقق في جوبا من اتفاق مع الحركات، وجناحي الحركة الشعبية، قطاع الشمال – عقار والحلو – عالج نظرياً بعض المظالم التاريخية، وأعطى مناطق النزاع تمييزاً إيجابياً بحاجة ليكون ملموساً على الأرض. ولكن الإخوان المسلمين بوصفهم يبررون استخدام القبلية، ويوظف قادتهم العنصرية ضد أبناء مناطق النزاع، يريدون إيقاف تطبيق الاتفاقات هذه. وفي ذات الوقت يسعون إلى تكامل مُحاولاتهم في استخدام الوسائط للفتنة العرقية بين المكونات السودانية مع ضرب الاقتصاد، وتصعيد شغلهم المعاكس في الخدمة المدنية، وتتفيه المطروح في الإنترنت، لتفجير البلاد. ولكن هيهات يا ذكي: من لا يستطيع توحيد أسرته أيديولوجياً، فلن يفلح في تجيير الجهة الجغرافية، أو القبيلة، كلها لاتخاذ موقف حزبي موحد في الشأن السياسي القومي.

Exit mobile version