د. عبد الناصر سلم يكتب.. حتى لا يتمزق السودان!

لم تكن تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت عقب ثورة ديسمبر بالأمر السهل، فهي ثورة لا شك أنها ستظل في صفحات التاريخ بعد ثلاثين عاماً من القمع وكبت الحريات.

ثورة انحازت فيها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى صوت الشعب الذي خرج في مشهد مهيب شيباً وشباباً من الرجال والنساء وحتى الأطفال، يهتفون حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب.

فخرجت الجنينة. ومروي وكسلا وقيسان تصدح يوماً بعد آخر بذات الشعارات أملا في عهد جديد تسود فيه قيم الحرية والعدالة الاجتماعية.

من هذا الرحم ووفق هذه الظروف ولدت حكومة الفترة الانتقالية التي ورثت أوضاعاً أقل ما يمكن وصفها بـ(الصعبة) في كافة الاتجاهات، ولعل المطلوب حالياً هو الالتفاف والتأييد بكل ما أوتينا من قوة لهذه الحكومة بشقيها المدني والعسكري، للعبور إلى مرحلة تأسيسية جديدة وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة.

إن إضعاف أي مكون من المكونات الحالية في منظومة الحكومة الانتقالية، أو إقعاده أو استهدافه ليس من المصلحة في شيء.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً نجد أن سيناريو الفوضى الخلاقة الذي أريد له أن يكون من قبل البعض بعد سقوط النظام البائد من التابعين والمؤيدين للنظام، لم يجد حظوظه على الأرض بسبب الوقفة المشرفة التي وقفتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، يا ترى كيف كان سيكون الحال؟

ونحن نعلم حالة التسليح والتجييش التي وصل لها نظام الإنقاذ عبر قواته ومنسوبيه في الدفاع الشعبي ومؤسسات الدولة عبر ما يسمى بأمانة العاملين.

ولولا لطف الله، وكرمه. ورعايته لأهل السودان للحقنا بقطار سوريا حيث انعدام الأمن ودخول جبهة النصرة وداعش وبقية سلاسل الإرهاب وجماعاتهم. وللحقنا أيضًا بقطار ليبيا حيث لا دولة، ولحقنا أيضًا بالعراق طوائف وجماعات.

إن دعم المنظومة الحاكمة في الفترة الانتقالية يشكل ضمانة حقيقية للبلاد من الانزلاق إلى سناريوهات ربما تكون مفتوحة لا ندري ما نهاياتها.

إن القوات المسلحة والقوات النظامية تشكل أيضًا داعمًا أساسيًا للعبور إلى استكمال الاستحقاق الديمقراطي بإكمال أجهزة الدولة التشريعية والمحكمة الدستورية، فنحن نعلم جيداً حجم الممارسات التي مارسها النظام السابق تجاه الأحزاب التي استهدفت من قبله بالانشقاقات ترغيباً وترهيباً، وبالتالي يظل المكون العسكري يمثل الراية الثانية مع المكون المدني للعبور إلى مرحلة ثانية بجسد وقدرة للوطن دون إعياء.

إن السودان بموارده التي تعطلت كثيرًا في سطح الأرض وباطنه قادر على النهوض، فدعونا نتقدم دون التوقف أو الرجوع إلى الوراء، وليكن السودان الهدف والغاية لكل مواطن ومواطنة سودانية استظلت بغمامة السودان او حملت هويته.

إن ما لحق بالأحزاب السياسية وما انتابها من هشاشه طيلة الـ٣٠ عاماً الماضية يستدعي العمل على تنشيط الدائرة السياسية، ونمو كافة الأحزاب بشكل طبيعي بما يعيد للأحزاب قوتها بما يرفع الوعي وميلاد كوادر جديدة وبما يخدم مصالح البلاد.

ولعل الظروف الحالية تعد سانحة كبيرة للتغيير والتقدم ونحن نتنسم اتفاقية سلام جوبا التي أوقفت صوت البندقية لسنوات ليست بالقصيرة وظلت جميع أطراف السودان لعشرات السنوات في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان معطلة في بنود التنمية نتيجة الصراع والاحتراب، إن ما يحمد لكافة قيادات الحركات المسلحة انها قد جددت العزم للمضي قدمًا بتأسيس مرحلة جديدة للسودان تنمية واستقراراً، فهم الآن شركاء في بناء السودان عبر مواقعهم المختلفة.

ويظل  مفتاح التوافق بين منظومة الحكومة الانتقالية أكبر ضامن لتأسيس المرحلة المقبلة، ولعل أي تراجع في عناصر هذه المعادلة ربما يضعنا أمام خيارات وسناريوهات لا يحمد عقباها وبالتالي لا نريدها ديمقراطية هشة تزول بانقلاب أو ثورة مطلبية أخرى، أو حكم شمولي.

وبالتالي كم نحن في حاجة إلى بناء جديد ليس على الصعيد السياسي فحسب، وإنما في تأصيل التربية الوطنية في مقدمتها قبول الآخر من دون شعور بنقص أو دونية فالكل شركاء في الوطن ولديهم حقوق كما عليهم واجبات، نريده سوداناً يسع الجميع بلا مرض قبلي أو تمييز جهوي.

* كبير الباحثين  في مركز فوكس للدراسات ـ السويد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى