معتصم محمد الحسن يكتب.. إخوة يوسف

والمتنبي وأبي فراس والسكران

كلما قرأت هذه الآية أستمتع بها وأرتوي حتى الثمالة ويأخذنى السُكْر بضم السين وسكون الكاف وتقع نفسي تحت سلطان هذه الآية وقهرها اللذيذ.

سُكرُ هَوى وسُكْرُ مدامة

أَنَّى يفيق فتى بهِ سُكرانِ

ويطوف بي ذلك السُكْر مستمدًا منه القوة والخبرة للمجابهة والمقاومة والاستعداد أنيابًا وأسنان

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)

آية أطربتني وعلمتني وأسكرتني

وجعلتني أتعجب  من نفسي وأسألها كيف تكون القوة لسكران ؟! وأستدرك سريعاً إن سُكْر القرآن قوة وخيال وصحيان لا ضعفاً أو خمولًا هذياناً وتوهان

وتأخذنى الآية خيالاً إلى ما دار بين أبي فراس الحمدانى قريب السلطان والمتنبي صاحب القلم بديع وبيان،  داحر الكرسي الذي بيده الصولجان، مغرداً على الشجر وفي الأرض وعلى الأغصان، نجماً بازغاً معتداً بنفسه شامخاً  رغم المؤامرات والتماس العيوب بوحي الحسد وغل الصدور وسوادها ووسوسة الشيطان ونشأت أبوفراس في كنف سيف الدولة السلطان الذي ميزه  عن الأقران والأهل والإخوان فوقع صراع زعامة الشعر بين المتنبي وأبي فراس في صحن سيف الدولة أو الديوان، حينئذ كان أبو فراس شاعر فحلاً  وكان المتنبي يتطلع إلى حمل لواء الزعامة الأدبية في ذلك الزمان،

واختلفت نظرة كل منهما إلى صاحبه وبدأ أنهما سيتعاركان ودارت المعركة بين أبي فراس المقرب من سيف الدولة والمتنبي لإبعاده عن الميدان والانفراد بالملك دون منافس وبلا استئذان، وذات يوم قال أبو فراس لسيف الدولة عن المتنبي بكثير كذب وبهتان كيف تعطيه كل سنة (ثلاثة آلاف دينار) عن ثلاث قصائد فذلك تبديد للمال وخسران.

ويمكنك أن تفرق مئتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره في المستقبل والآن.

وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة بين  المتنبي وأبي فراس سيف السلطان

فأشعلوا البغضاء وأضرموا النيران

وسدد المتنبي ضربات حمم شعرية من بركان لأبي فراس قريب السلطان

وجرت المساجلة فضجر سيف الدولة من كثرة المناقشة وكثيف الدخان فأصابه الغثيان والغليان

فضرب المتنبي بالدواة التي بين يديه بسبب وشاية وحسد أبي فراس والاحتقان

فانشد حينها المتنبي :

إنْ كانَ سَرّكُمُ ما قالَ حاسِدُنَا

فَمَا لجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألَمُ

فأعجب سيف الدولة ببيت المتنبي الأخير فلم يلتفت إلى قول أبي فراس والحقد والتسويف والبهتان ورضي عن المتنبي وقربه إليه وقبل رأسه ومنحه ألفي دينار  وانتهت المعركة لصالح المتنبي وخسر بن الحمدان،  ومن ذلك التاريخ أصبح المتنبي سيد المكان فهل اتعظت يا ذلك الإنسان قبل  أن تطوى الأرض ويكون الحساب والميزان؟

يوم لاينفع الذهب ولا اللؤلؤ والمرجان

ولا حلو الفاكهة من نخل أو تين وعنب برتكان ورمان

ولا أهل ولا أصحاب أو إخوان وحبان

ارجع يا هذا فالموت  في جزء من الثوان

قبل انقضاء الزمن وتصبح في خبر كان

إن الحياة لعب ولهو ولكنها تبقى عبادة وامتحان إن كنت من عشيرة الإنس أو من قبيلة الجان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى