سراج الدين مصطفى يكتب :أقيلوا هاشم عبد السلام!!

المؤكد تاريخياً أن حكومة الإنقاذ حينما انقلبت على الحكومة الشرعية واستلامها سدة الحكم في الثلاثين من يونيو الأسود.. بدأت تنشط وقتها جماعات الهوس الديني والتيار العنيف داخل الحركة الإسلامية، ولعل بعضهم أعلن صراحة محاربة الفنون بكافة أشكالها، ولكن الفن الغنائي كان الأكثر تأثراً بتلك اللوثة التي تغطت بدثار الدين، وحورب الفنانون وقتها بكل حسم، وفتحت أبواب الإذاعة والتلفزيون لشنان ومحمد بخيت وقرشي وغيرهم من مطبلي النظام السابق.. لذلك هاجر معظم المبدعين أصحاب التجارب الجادة والأصيلة.. تلك الهجرات أفرزت لاحقاً تجارب هشة وبدأت تطفو على السطح مسمى (الأغنيات الهابطة) وانهارت الأغنية السودانية حتى أصبحت بملمح جديد هو (الأغنيات الساقطة)..
ولمحاربة الفن والفنانين، استخدمت الإنقاذ مهووساً مثل الطيب مصطفى لتحارب به كافة أشكال الفنون من دراما وغناء وغيره.. والرجل بذهنيته القاصرة كان يحارب الدراما على طريقته الخاصة، ولعل قصة (الشبك) الذي يغطي الشعر والملابس الكل يتذكرها.. ولعله أيضاً أوقف بث الأغاني.. وهنا لا بد أن أشير أن الرجل وعرابيه أوقفوا بث أغنية (العزيزة) بدعوى أنها تدعو للسفور في المقطع الذي يقول:
سلميلنا على ضفايرك
موجة موجة وسلميلنا..
وكان تبريرهم أنها أغنية ضد الحجاب، لأنها اشتملت على كلمة (ضفايرك)، والرجل المهووس لاحق حتى (ساق النعامة) وقام بتغطيته بشبكته الشهيرة.. ذلك هو الطيب مصطفى الذي حارب وجدانيات الشعب السوداني وأهان الفنانين وأغلق أمامهم أبواب الإذاعة والتلفزيون لتكريس لغاويس من شاكلة (أمريكا روسيا دنا عذابها وأماماً جنود الفداء).
تلك كانت هي الذهنية الحاكمة وقتها.. ذهنية تنتمي للعصر الحجري.. ولكن هذه الذهنية بدأت تتغير قليلاً قليلاً حتى توج ذلك التغيير بإنشاء مجلس المهن الموسيقية والمسرحية، ثم لاحقاً تغير المسمى إلى مجلس المهن الموسيقية والتمثيلية باعتبارها كلمة أشمل وأوسع تمكن المجلس من السيطرة أكثر على مجمل الوسط الإبداعي..
وهنا لا بد أن أشير وإحقاقاً للحق أن الأستاذ علي مهدي كان له تأثير واضح في فكرة تكوين هذا المجلس رغم أن البعض يرفض ذلك القول فقط من باب (الكراهية) لعلي مهدي.. ولكنها الحقيقة المطلقة.. ولا بد أن أشير أن علي مهدي بانحيازه السافر للنظام السابق ساهم في تظليل صورته.. ولكن مع ذلك وضع الرجل أسساً متينة لهذا المجلس وأصبح ذا وضعية واعتبارية لتقنين الوسط الفني وحماية المهنة من التغول عليها وحماية المهنة يعني بالضرورة حماية من يمتهنها..
والمؤسف أن الدولة منحت المجلس تشريعاً ليبسط سيطرته على المشهد الفني ويفرض هيبة الدولة، ولكن المجلس انتحى للمجاملة مع البعض وتعامل بقسوة شديدة كما في حالة الفنان (شهاب الدناقلة) الذي طبقوا عليه القانون بكل عنف بينما تمت مجاملة آخرين في نوع من المحاباة والمجاملة وافتقار لقيم العدالة.
حماية المهن الموسيقية والمسرحية ومن يمتهنها ذلك ما فشل فيه الدكتور هاشم عبد السلام الأمين العام لمجلس المهن الموسيقية والتمثيلية.. والذي بتقديري الخاص أقل قامة من هذا المنصب الرفيع.. وذلك ما تأكد تماماً من القضايا التي ظلت تلاحق الفنانين في الآونة الأخيرة، وظل يتفرج على منسوبيه وهم يعاملون كالمجرمين، ولم يتحرك بأي خطوة لحمايتهم مع أنه وظيفياً جزء من هذه السلطة، وكان ينبغي أن يسعى لحل تلك القضايا، ولكنه اختار دور (المتفرج)..
مع تقديري ومحبتي للدكتور هاشم عبد السلام كقانوني ضليع وكملحن رفيع المستوى قدم لنا أغنية (عمري) التي تغنى بها الراحل محمود عبد العزيز.. فهو بتقديري لا يستحق الجلوس على كرسي الأمين العام لهذا المجلس الذي يحتاج لشخصية ثورية ذات هيبة وقوة، وذلك ما يفتقده الدكتور هاشم عبد السلام الذي يتميز بشخصية مائية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى