القطاع الصناعي.. تخريب مُمنهَج

 

الأمين العام السابق للغرفة الصناعية: المصانع  تعمل بأقل من 30%

خبير اقتصادي: رفع الدولار الجمركي الضربة القاضية للقطاع

حسين القوني: السلع المستوردة أثرت على الإنتاج وأضعفت المنافسة الخارجية

صاحب مصنع: التمويل وارتفاع الضرائب وسعر الصرف وراء توقّف المصانع

الخرطوم: سارة إبراهيم

يُعد القطاع الصناعي من القطاعات المهمة في الاقتصاد العالمي، ونجد أن الدول المتطورة في هذا المجال تلعب دوراً مهماً في مسيرة التنمية من خلال ما تقدمه من قيمة مضافة لدعم القطاع، ولكن الواقع في السودان يختلف عن ذلك كثيرًا رغم قيام العديد من الصناعات خلال سبعينيات القرن الماضي، والتي شهدت تطورا كبيراً، إلا أنها تدهورت بشكل مريع خلال السنوات الأخيرة، فتوقف عدد كبير من المصانع، وأرجع مراقبون ذلك إلى خطأ السياسات المتبعة من قبل الدولة، وتضارب الاختصاصات بين المركز والولايات، بجانب الرسوم والضرائب والتمويل وسوء الإدارة والتي أدت إلى خروج العديد من المصانع من دائرة الإنتاج والتي تقدر بـ 70% مصانع متوقفة عن العمل.

(الصيحة) وقفت على واقع عدد من المصانع المتوقفة بالولاية، وكانت الحصيلة التالية:

موارد هائلة

أغلب المصانع العاملة في البلاد تعمل بأقل من ٣٥% من طاقتها الإنتاجية الكاملة، حيث بلغ معدل نمو إنتاج القطاع الصناعي، وفقاً لإحصائيات العام 2017م نسبة 2.5% فقط، ويمكن القول إن مساهمة قطاع الصناعة في اقتصاد البلاد ما نسبته 2.6% فقط، حيث يساهم قطاع الزراعة بنسبه 39.6%، أما قطاع الخدمات فتكون له الحصة الأكبر، ويساهم بنسبة 57.8% رغم امتلاك البلاد  موارد هائلة، إلا أنها تعد من الدول ذات الاقتصاد  المتهالك .

ميزة تشجيعية

الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السابق د. عباس علي السيد قال لـ (الصيحة)، إن الوضع الصناعي في البلاد في أسوأ حالاته، وأقر بوجود العديد من المشاكل والمعوقات التي قعدت بالقطاع،  وأدت إلى توقف عدد من المصانع عن العمل نهائياً،  وعاب على النظام السابق السياسات التي انتهجها تجاه القطاع وسحب الامتيازات الاستثمارية في القطاع الإنتاجي، واعتبر ذلك خطأ كبيراً والتي وصفها بالسيئة، منادياً بأهمية معالجتها، مشيراً إلى المشاكل التي تواجه القطاع في الطاقة وعدم استقرار التيار الكهربائي وعدم توفر المواد الخام الأولية وارتفاع سعر الصرف، وقال إن القطاع الآن لا يمتاز بأية ميزة تشجيعية للاستمرار في الاستثمار، وواصل بالقول إن القطاع أصبح طارداً رغم رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، وقال إن المصانع الآن تعمل بطاقة إنتاجية اقل من ٣٠%، لافتًا إلى ارتفاع تكلفة العمالة غير المدربة التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على أصحاب المصانع وزيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع الأسعار المتواصل للسلع وقطع الغيار والاسبيرات، منادياً بأهمية الإسراع لوضع برامج وسياسات تشجيعية داعمة للقطاع، واستبشر خيراً بشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

تحديات ومشاكل

وفي ذات السياق، كشف صاحب مصنع بالمنطقة الصناعية، خروج ما بين 40 إلى 50% من المصانع من دائرة الإنتاج نتيجة لكثير من التحديات والمشكلات التي تواجه القطاع، وقال لـ (الصيحة)، إن عدم التمويل من البنوك وارتفاع الضرائب وارتفاع أسعار العملة الصعبة (الدولار)، مقابل العملة المحلية، وشح السيولة وعدم استقرار الإمداد الكهربائي أدى إلى عدم استمرار المصانع.

معاناة قطاع الجلود وخصخصة المدابغ

فيما أكد خبير الجلود بالمركز القومي لتكنولوجيا الجلود، م. عبد اللطيف محمد على، معاناة قطاع  الجلود من التدهور بعد خصخصة المدابغ، ووقف تصدير الخام، لذلك بدأ التهريب إلى بعض الدول الإفريقية، وزاد: فقدنا الأسواق العالمية التى كانت حكراً على السودان بهذه القرارات، وما زلنا نعاني.

ولفت إلى ارتفاع  تكلفة صناعة الجلود بسبب أن (98%) من المواد التي يتم استخدامها في تشطيب الجلود مستوردة، داعياً إلى النهوض بالصناعات المحلية لهذه المواد في ظل وجود الخام للعديد منها، وزاد: لا نستطيع المنافسه عالمياً في ظل ارتفاع التكلفة. وقال إن واقع صناعة الجلود لا يؤدي الغرض المطلوب لجهة أن القطاع يعتبر جانبياً، لذلك الدولة لم تستفد منه رغم أهميته في دولة تتمتع بثروة حيوانية كبيرة،  وصادرات القطاع لا تتعدى 40 مليون دولار في السنة.

وأضاف: هنالك دول ليست لديها ثروه حيوانية منها تونس تستورد جلوداً وتتم دباغتها وتصنيعها وتُسوَّق، وعائداتها تصل 3,500 مليار دولار في السنة, واعتبر عبد اللطيف السياسات الاقتصادية من أكبر المعوقات التي تواجه صناعة الجلود، مبيناً استيراد بعض المواد الكيميائية الخاصة بصناعة الجلود بتكلفة بلغت 98% واعتبرها مكلفة جداً بالرغم من توفر المواد الخام، الأمر الذي يتطلب أهمية توطين الصناعة المحلية للحد من الاستيراد، مشدداً على ضرورة الالتزام بالجودة للمنافسة عالمياً وتحقيق عائدات من العملة الحرة

معالجة المشكلات

الخبير الاقتصادي حسين جبريل، قال إن الصناعة في البلاد قديمة جداً، ولها نسبة مقدرة في الناتج القومي، واستطاعت جذب استثمارات أجنبية في مختلف المجالات صناعية وزراعية وخدمية وغيرها، إلا أن المناخ الاستثماري في البلاد بدأ في التراجع في الفترة الأخيرة ما أدى إلى هروب العديد من الصناعات والمشاريع المختلفة بما في ذلك رؤوس الأموال السودانية، كان يمكن أن تدعم الاستثمار في البلاد، ولم تتم معالجة المشكلات والمعيقات في القطاعات، لذلك هاجرت إلى الخارج خاصة دول الجوار مثل إثيوبيا، واستمر الحال كما هو دون علاج.

هجرة الاستثمارات

مشيراً إلى هجرة الاستثمارات الوطنية إلى الخارج، وقال في حديثه لـ (الصيحة): أصبح المناخ الاستثماري طارداً، وذلك لعدم مواكبته التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي انتظمت البلاد خلال الفترة الأخيرة وأصبحت هناك رسوم حكومية متعددة على الإنتاج وأخرى محلية كالنفايات والعوائد وغيرها، إضافة إلى ارتفاع نسبة الضرائب على الأرباح والرسوم الجمركية على الواردات، وعدم تشجيع الصادرات المحلية والتي مثلت الضربة القاضية في رفع سعر الدولار الجمركي إلى 18% في العام 2016م ثم إلى 15% في العام 2018م، بجانب عدم قدرة السلع المحلية للمنافسة الخارجية بسبب ارتفاع تكلفتها وارتفاع الترحيل إلى ميناء الصادر، كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى عدم المنافسة فضلاً عن ارتفاع تكلفة الكهرباء وعدم كفايتها بسبب القطوعات المتكررة مقراً بوجود مشكلة نسبية في مدخلات الإنتاج التي أصبحت مرتفعة جداً بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي، وعدم مقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي لمقابلة احتياجات البلاد من السلع المستوردة والتي أثرت على الإنتاج والإنتاجية وأدت إلى إضعاف قدرتها التنافسية الخارجية، وضعف الصادرات وموارد النقد الأجنبي، ما قعد بالاقتصاد، وازدادت المشكلات، وأصبح الاعتماد على السلع المتوفرة في الأسواق وخلقت فجوة بين العرض والطلب، وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم في البلاد، فزاد من معاناة المواطنين بسبب ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج وعدم توفرها، منها الكهرباء والوقود والفيرنس، الأمر الذي أدى إلى تدني الإنتاج في كل القطاعات الصناعية على وجه العموم والزراعية على وجه الخصوص، وبالتالي انخفاض إيرادات الدولة بصفة خاصة، وسبب عجزاً في الموازنة العامة للأسر.

تدني الخدمات

من جانبه، أشار الخبير في مجال الصناعة سيف اليزل بابكر لـ(الصيحة)، إلى الإشكاليات التي تواجه القطاع الصناعي التي حصرها في  ضعف وتدني البنية التحتية للمصانع بجانب الرسوم والضرائب الباهظة والكهرباء ومشكلة الصرف الصحي التي أدت إلى انهيار القطاع وخروج العديد من المصانع من دائرة الإنتاج، وهذا يتطلب إعادة النظر في كافة القوانين وتفعيل قانون تنظيم المناطق الصناعية بولاية الخرطوم 2015 خاصة وأنه يهدف إلى تنظيم المناطق الصناعية وترقية الخدمات بها، بالإضافة إلى حماية المستثمرين من أي تدخلات غير قانونية وتشجيع أصحاب الصناعات العشوائية بالانتقال للمناطق الصناعية المرخصة وكشف عن وجود 17 مصنع نسيج متوقفة عن العمل كانت طاقتها الإنتاجية تقدر بـ63 ألف طن وتستورد 300 مليون متر من الأقمشة، موضحاً أن جملة المصانع بالولاية 12 ألف مصنع، 40% منها متوقف عن العمل لعدة أسباب أهمها سوء الإدارة وعدم القدرة على التشغيل وعدم توفّر التمويل الكافي وانعدام التسويق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى