Site icon صحيفة الصيحة

الطاهر ساتي يكتب : الترياق..!!

 

:: رغم أنف اتفاقية السلام، تتواصل الحرب في دارفور.. وكما تعلمون فإن السلاح في دارفور لا يعترف بالاتفاقيات، لأن سلطة استخدامه بيد حامله، وليس بيد الدولة.. منذ السبت الفائت، حرب قبلية بولاية غرب دارفور، بلغ حجم ضحاياها (129 مواطناً)، وحرب أخرى، قبلية أيضاً بجنوب دارفور، بلغ عدد ضحاياها (60 مواطناً).. لهم الرحمة والمغفرة بإذن الله، وكل هذه الأعداد ما هي إلا إحصائية نهار الأمس، وبالتأكيد هناك المزيد..!!

:: الدول ذات الأنظمة الراشدة هي التي تحتكر السلاح بواسطة قواتها النظامية (فقط لا غير)، ثم تدع بقية السلع للمجتمع المدني.. ولكن النهج المتوارث في بلادنا هو أن يحتكر كل أنواع السلع، ويدع الأسلحة – فقط لا غيرها – للمجتمع المدني، ولذلك يحدث ما يحدث من كل أنواع التطاحن القبلي.. وكثيرة هي المعايير، ولكن من أهم معايير تصنيف الدول الفاشلة هو عجز السلطة الحاكمة عن احتكار السلاح بواسطة أجهزتها النظامية..!!

:: والمؤسف، رغم وضوح أسباب الحرب، لا تفكر  الأنظمة إلا في الحلول التي (تجدد الحرب).. واعتباراً من الغد، سوف تشهد غرب وجنوب دارفور (مؤتمرات صلح)، جلاليب وعمائم، تهليل وتكبير، دفع الديات، ثم تصريحات رومانسية عن العلاقات الأخوية بين القبائل المتحاربة، ثم تشتعل حروب أخرى في ذات الأمكنة أو أمكنة أخرى، وكأن تلك الحلول كانت (محض تخدير).. وهي – فعلاً – كذلك، أي تخدير يتجاوزون به (آثار معركة)، لتندلع الأخرى..!!

:: كما حال الحكومات السابقة، لم – ولن – تبذل حكومة ما بعد الثورة أيضاً من الجهد ما يضع حدّاً لهذا الاقتتال القبلي.. لن تفرض هيبة الدولة بقوة القانون، ولن تفرض هيبة الدولة باحتكار السلاح.. فالسلاح – كالماء والطعام – في بيوت الأهل بدارفور.. والأنظمة السودانية التي تحتكر حتى السُّكّر والدقيق عاجزة عن (احتكار السلاح).. عاجزة تماماً، العسكرية منها والمدنية..!!

:: وكالعهد بهم دائماً عقب كل اقتتال قبلي، فإن السادة الذين نلقبهم بالمسؤولين سوف يبررون لضخامة حجم الموتى والجرحى بغرب وجنوب دارفور، بأن مقاتلي هذه القبائل استخدموا الأسلحة الثقيلة.. هكذا تبريرهم دائماً، أصبح محفوظاً.. وربما يكون تبريرهم في المعارك القادمة بأن القبائل استخدمت (الطائرات) و(الدبابات).. ولن يسألوا أنفسهم، كيف لأفراد مجتمع مدني بأن يمتلكوا كل هذه الأسلحة..؟؟

:: الطبيعة لا تقبل الفراغ أيها السادة، وغياب هيبة الدولة يعني (سطوة القبيلة) لحد امتلاك الأسلحة واستخدامها كما تشاء.. وعليه، قبل أن يفقد (الشعب الفضل) ما تبقت من دولته، أبسطوا هيبة الدولة بقوة القانون، ثم سارعوا إلى تنمية ولايات دارفور وتعليم مجتمعاتها.. التنمية والتعليم هما ترياق الحرب والفقر، وكما تعلمون فإن السواعد التي لا تجد معاول الإنتاج وأقلام المعرفة، لا تحمل غير السلاح..!!

 

 

Exit mobile version