Site icon صحيفة الصيحة

عبد الحفيظ مريود يكتب : تفاصيل زواجٍ مؤسف

 

يتصوّر الفرزدقُ، الشاعرُ المشهورُ بالهجاء، أنّ زواجه من النوّار، ابنة عمّه، حقٌّ أصيلٌ، بالرّغم من رفضها له. لكنْ جرتِ العادةُ أنْ يزوّج الشخصُ بنت عمّه، لزاماً. لأنّه كفؤٌ لها – مهما كانت صفاته وميوله – وسترٌ كثيفٌ يقيها غائلاتِ الحياة الدُّنيا وصروف الدّهر. لكنّ النوّار هربتْ من عشّ الزوجية. وحين ضاقتْ بها الدّنيا، عادتْ ورضيتْ بما قسمَ المليكُ، تعاشر زوجاً تبغضه وتلاسنه صباحَ مساء.

والفرزدقُ الذي لا يجدُ ما يطلبه الرّجلُ من المرأة، يسعى إلى جارتها. يُراودها دون كللٍ أو مللٍ. والجارةُ صديقةٌ لزوجته النوّار. وحين لعب معها ضاغطاً – كما يقول الشّباب – اضطرّتْ لتخبر صديقتها، زوجته، النوّار. فأوعزتْ إليها أنْ وافقي، واضربي له موعداً. وحين دنا الموعدُ، تطيبتِ النوّار، وذهبتْ إلى بيت صديقتها. استقبلتِ الصّديقةُ/ الجارةُ الفرزدق، وأدخلته إلى حيثُ سيأخذها. طلبتْ وقتاً لتنهيَ غرضاً وتكملُ طيبَها وتعود إليه. خرجتْ، تبادلتْ وزوجةُ الفرزدق الموقعين. هنيهةً ودخلتِ الزوجةُ على أنّها الجارةُ الصّديقة. قامَ عليها الفرزدقُ بكلّ الفحولة الممكنة. بكلّ شهواتٍ واستيهاماتٍ جنسية كانتْ تلهبُ خياله. وحين نهض عنها، قالت له “يا ابنَ الزّانية”. حينها أدرك أنّه وقع في الفخ، وأهدر كلّ ذلك في امرأته، بدلاً من الجارة الصّديقة. أجابَها “أهذه أنتِ؟ ما أبغضكِ حلالاً، وأطيبَكِ حراماً”.

القصّةُ مشهورةٌ في كتبِ العرب. لو أنّ الفرزدقَ التفتَ ليديرَ علاقته بامرأته، ليتمتّعَ بها ويمتّعها، بدلاً من البحث عن جارةٍ تبدو مثيرةً في نظره، لأدركَ أنّهنّ سواء في كلّ شئ. لعلّ تلك الإشارة البليغة في “نهج البلاغة” للإمام علي بن أبي طالب “إنّما هي امرأة مكان امرأة”. تقودُ الحجبُ الآدميَّ ليتوهّم أنّ ثمّة شيئاً مميزاً هناك. بالنّسبة للرّجل والمرأة، على حدٍّ سواءَ. يمكن للأمر أنْ يتّسع. طالما أنّ هناك سقفاً مفتوحاً للتوقُّعات والتطلُّعات. فالزواج – في عُمقه العميق – حلمُ شخصٍ ما، بسعادةٍ نادرةٍ لا تتحصّلُ إلاّ إذا كان الشّريكُ هو فلانٌ أو فلانة. بمعنى أنّه فعلٌ – إذا كان للزواج أنْ يكون فعلاً – ينطوي على رهن جملةٍ من التطلُّعات والآمال والأحلام والسعادة، بشخصٍ ما. قد يصدف أنْ يكون الشخص هو هو ما طمحنا إليه – وهو نادرُ الحدوث – أو يخيّب كلَّ ذلك، فنتغاضى عنه لتستمر الحياة. نجازف طلعاتٍ جويّة وأرضيّة تقطرُ حماقةً، كالتي فعلها الفرزدق، أو أخرى ناجحة وأكثر أَمناً.

تتسعُ الدائرةُ لتشمل جميع الأحلام والآمال والتطلُّعات البشريّة، فيما يتعلّق بالصّداقة، الدّراسة، العمل، الحكم، وكلَّ شئ. ذلك أنّ مسرح الأرض هو البحث عن شئ نتعلّق به، يحقّق إشباعاً ذاتيّاً. لكنّ ذلك لن يحدث. فالرّضاء الأرضي، والوصول بالطموحات كلّها إلى غاياتها غيرُ واردٍ في الحياة الدّنيا. وهو سبب الاضطرابات، على جميع الأصعدة.

لو سألتَ شاباً يافعاً، من “صُنّاع” ثورة ديسمبر، لأدركتَ كم هي موحشةٌ وقَفْر مساحاتُ الحلم داخله. فالوضعُ مثاليٌّ جدّاً في اعتصام القيادة – بالنّسبة له. ذلك هو السودان الذي كان مطموراً – من وجهة نظره – طوال ثلاثين عاماً. ولأنّ الإنقاذ سقطت، فليس من شئ يحُول بيننا وبين تحقيق سوداننا. تُفاجئ الشاب فاجعة فضّ الاعتصام. فيعبّر عن غضبه، في تتريس الشوارع وصولاً إلى موكب الثلاثين من يونيو. شهر الشباب قوتهم في وجه العسكر. وصرّح قادةُ الحرية والتغيير تصريحاتهم، مُتمسكين بالحكم المدني 100%. لكنَّ التفاوض أسفر عن شئ آخر. وتشكيل المجلسين كان أقلّ من كلِّ طُموحاتهم. بعضهم يجأرُ بأنْ “ليس من أجل هذا دخلنا المُعتقلات، شربنا البمبان، اتجلدنا، تمّت إهانتُنا. وليس من أجل هذا قدّم إخوتُنا أرواحهم رخيصة”.

حسناً… هل ثمّة زواج سعيد؟

الصّادقون من المتزوجين/ات قلّةٌ. في داخل كلٍّ منّا فرزدق. يرى تلاصف فخذي جارته أشهى من تلك التي تطبخ – وهي متّسخة منكشة – غداءه. جأر الكثيرون من الشباب، بأنّ حمدوك “طلع ماسورة”. بحكم تجربتهم، فالجميع مواسير. فزواج المدنيين والعسكريين ماسورة. زواج قوى الحرية والتغيير ماسورة أخرى. الإمارات والسعودية ماسورة. أمريكا أكبر ماسورة. الإسلام السياسي كلّه ماسورة. اليسار: حدّثْ ولا حرج.

Exit mobile version