محمد محمد خير يكتب : أمنيات

 

أتمنى أن أغمض عيني وأفتحها لأجد كل ما حولي قد تغيّر. الشوارع لم تعد فيها حفرٌ. نظيفة ومرصوفة ومُخضّرة ولا كلاب تحوم بلا وجهة عليها. أتمنى حين أفتح عيني وأنا في الشارع ألا أرى عربة كارو وحصاناً عجوزاً تثقله بضاعتها ويجلده سائقها، وبالمثل لا أرى حماراً يسير وسط الطريق بلا وجهةٍ، يجب أن يكون للحمير وجهتها بعد أن عرفنا توجّهاتها .

أتمنى أن أفتح عيني بعد إغماضةٍ طويلةٍ لأشاهد من التلفاز مُباراة سودانية يُبدع لاعبوها مثل ما يمتعنا لاعبو شلسي واليونايتد وبرشلونة واتلتيكو مدريد ويصاحب المباراة صوت مذيع شجي وجمهور يتذوق اللعب الرشيق فتصدح تنهيدته قبل تعليق المذيع.

أغمض عيني وأفتحها لأقرأ مقالاً رصيناً يجوب بك وينقلك وينعشك ويفتح مَغاليق أفقك ويضئ لك ويلهمك ويشحذك على الإضافة .

مقال ليس فيه جنسية علي الحاج ولا يقترب (للكيكة)، ولا ينتقد الوزراء لأجل الانتقاد وطلب الشهرة، ولا يسير بجانب موعد تشكيل الحكومة ولا يجلدني بالتعابير المألوفة مثل مخرجات الحوار. مُعينات العمل. المُضِي قُدُماً. أدلو بدلوي. ولدت بأسنانها. لا نامت أعين الجبناء. حلال على الطير من كل جنس. مدخلات الإنتاج وعام الرمادة .

أفتح عيني بعد إغماضةٍ في خريف يومٍ ماطرٍ لأرى الأرض جَاست بالماء وحوّلته لسر في باطنها بعد أن كان يطفو على سطحها مُستدعياً الناموس والضفادع والوحل والطين اللزج.

أتمنّى أن تصحو عيني بعد إغماضتها على حَيٍّ شديد الخضرة ترتص أشجاره بنسق وتتماوج أوراقها على مَس نسيم هامسٍ وتتحاوم حول الشجر طيورٌ مشحونةٌ بالأنوثة لأنّني أعشق النساء اللواتي يشبهن الطير والطير الذي ينتحل صفات النساء.

أتمنّى حين أفتح عيني بشارع جبل أولياء وأنا قاصدٌ الكلاكلة، حيث يقمن أخواتي أن أسدِّد النظر لكوبري الدباسين وقد حل عقدته وباح بسره واكتظّ وحمل نسائم آسيا (وجاب الطيف وأنعش روحي وزال ألمي البي).

أتمنّى أن أغمض عيني وأفتحها لأرى كل تقاليد نشرة الأخبار قد تغيّرت وتبنّى محرّرو النشرة ومُعدو التقارير لغة جديدة ليس من بينها استقبل سيادته وودّع ووجّه وأعرب عن أمله. تصاحب اللغة الجديدة صورة جاذبة ليس من بينها بدلة بماركتها أو سديري يتغوّل على لون الجلابية أو مرافق للمسؤول يُداعب أنفه أو يفرك يديه .

قال أحد شعراء الحداثة. أبحث عَمّا يعطي الحجر شفاه الأطفال. وتلك أمنية مُستحيلة لكن أمنياتي سهلة التحقق لأنها لا تحمل وجه استحالة، فقد تحقّقت في كثير من البلدان، فصارت الشوارع العامة أنظف من البيوت، وحدائق البلديات أشد خُضرةً من بساتين الدولة، وفي بعض البلدان التي تجاورنا صارت الصحاري تحمل سمات المروج .

يَا عَينَي وين تَلْقَى المَنَام…

 

انضم لقروب الصيحة على واتساب اضغط هنا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى