Site icon صحيفة الصيحة

المهدي.. إرثٌ أدبيٌّ وقاموسٌ سياسيٌّ

الصادق المهدي

 

الخرطوم / نجدة بشارة

من الأمثال الشعبية (الخلَّف ما مات ).. وكذلك من ترك أرثاً أدبياً وموروثاً ثقافياً لم يمت حتى وإن غاب الجسد، لكن تظل عباراته وأمثاله خالدة تتناقلها الأجيال كما البطولات والنضالات ..

برحيل زعيم حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي فقدت الساحة السياسية والفكرية في السودان  رجلاً عرف بالحكمة والكياسة وأتقن فن  السياسة حتى نال لقب “حكيم الأمة”، وتفوق  فيها حد التهكم والسخرية عند المحن والشدائد السياسية، فيجد الناس من  أمثاله فسحة للتندر والتناسي، ويجمع الكثير ممن يختلفون أو يتفقون مع الإمام  على التزامه نهجاً تصالحياً قومياً يمزج فيه بين الخطاب النخبوي والشعبوي  مما أكسبه كاريزما سياسية فريدة من نوعها.

جينات أسرية

امتاز الراحل بميزة نادرة وسط السياسيين في السودان وهي موهبته في ضرب الأمثال الشعبية واشتقاق التشبيهات الساخرة، التي تتواءم مع المواقف وتكون قريبة لقلوب البسطاء من العوام، وحسب مقربين فقد  ورث الأمام اقتباس المثل الشعبي في الخطاب السياسي من أجداده، وقد تكون  الجينات لعبت دوراً مهماً في اتجاه المهدي لضرب الأمثال، حيث إن جده الإمام محمد أحمد المهدي، اشتهر في منشوراته وخطبه بنثر الأمثال منها على سبيل المثال قوله الشهير (الفشّ غبينتو.. خرّب مدينتو). بينما أرجع آخرون، تفوق المهدي في ضرب الإمثال إلى طبيعته الصوفية لما يحوي من التشبيهات والمقاربات، مع الاستدلال  بالقرآن والسنة النبوية وأشعار العرب، ولا يحتشد ذلك في قاموس مفكر  كما حدث  مع الإمام.

“طيرة أم كتيتي”

ورغم أن حزب الأمة القومي جزء أصيل من قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، لكن ذلك لم يمنع الإمام المهدي من توجيه النصح تارة والنقد والتصحيح تارة أخرى، وقد  شبه ميزانية الحكومة الانتقالية وخطوات رفع الدعم عن السلع بـ”طيرة أم كتيتي”، وتحكي الأسطورة أن طائر “أم كتيتي” يبيض مرة واحدة في العمر، ومن يرى هذه البيضة كان الله في عونه.. إذا أخذها مات والده .. وإن تركها ماتت أمه “يعني في الحالتين ضايع” والإشارة لحكومة حمدوك أن رفعت الدعم أم لم ترفعه فكله سيان..

ومن العبارات التي وجدت حظها من النقد تلك التي وصف فيها بداية تظاهرات ديسمبر  التي أطاحت بحكم البشير بـ”دُخان المَرقة”، قائلاً: “نحنا نشاطنا متواصل ما زي ناس “دُخان المَرقة”.  ولعل الأصل في المثل هو ما بتنفع علوقة الشدة وما بنفع دخان الطلعة) نَصّه الأصلي، وعلوقة الشدة هي الصورة القديمة خاصة في المدن؛ حيث الناس تستقل العربات لا الدواب، لكن سواء في المدن أو الريف ما تزال النساء السودانيات يعرفن الدخان فهي صورة لا يمكن وصفها بأنها قديمة بحال.

نقد ساخر

حشاش بدقنو، من العبارات  العامية التي  أطلقها الإمام الصادق المهدي في بدايات التظاهرات واصفاً بها حديث المعارضة حول إسقاط النظام بأنه مجرد أقاويل لا تطبق على أرض الواقع فعلاً، ومن ثم فقد وجد حديثه الذي استخدم فيه المثل الشعبي رواجاً إعلامياً ضخماً حتى إن معظم الصحف الصادرة في اليوم التالي قد كتبته على صدر عناوينها. وهذه مقولة سودانية مبنية على أسطورة رجل كسول يأتي للزرع كل يوم ويشير بلحيته بأنه سيحصد من هنا حتى هناك.

لم تكن تلك الحادثة الأولى التي يستخدم فيها الإمام الصادق العبارات الثقافية الشعبية كوسيلة للنقد الساخر   فقد  انتقد بها دخول القيادي وسليل المهدية مبارك الفاضل الحكومة ومشاركته فيها وحينها كان حزب الأمة معارضاً قال فيه: “أكل الفطيس قبل الذبيح”، الفطيس هو الميت المتعفن، ثم عبارته التي أذهلت الحاضرين في العام 2006 بعد أن فرغت الحكومة من توقيع اتفاقيات – نيفاشا، أبوجا، أسمرا – قال منتقدا ذلك بـ”الحكومة حشرت البلاد في جحر الضب”.

وسبق وقال الراحل  في ذم حزب  المؤتمر الشعبي عليه واتهامه بعلاقته بالمؤتمر الوطني  فقال (الشعبي ساقط وشايل قلمه يصحح)، في إشارة إلى مشاركة الشعبي في العشرية الأولى للإنقاذ بكل تركتها وحمولاتها، فيما استخدم المهدي عبارة “بيضة ديك” في تعليق لاذع على ندوة من ندوات الأحزاب، وهو مثل يقال عن الشيء الذي يحدث لمرة واحدة.

من فش غبينتو

من أشهر الأمثال والتي كان يرددها دائماً (من فش غبينتو خرب مدينتو)، وهي تتسم مع ما كان يدعو له من ضرورة الحكمة في كل ما تفعله المعارضة، وهي دعوة لكل الكيانات لتحكيم العقل.

أسلوب مكتسب

وفي تصريح سابق للقيادي  بحزب الأمة محمد الأمين قال إن  أسلاف الصادق سواء الإمام المهدي أو السيد عبد الرحمن؛ درجوا على استخدام هذا الأسلوب في مخاطباتهم أو رسائلهم، لذلك لم يكن غريباً أن يتوسع الراحل  في هذا الأسلوب لا سيما وأن لديه إلماماً واسعاً بالثقافة والتراث السوداني، مما جعله أكثر من يستعمل الأمثال السودانية في العصر الراهن لتوصيل رسائله السياسية، فيما وصفه مقربون بأنه  موسوعي الثقافة والاطلاع، وله صبرٌ مدهشٌ على الكتابة والخطابة، وكان  يستغل أي وقت للقراءة أو الكتابة.

 

Exit mobile version