Site icon صحيفة الصيحة

قطار السلام.. رحلة الوصول!

 

الخرطوم/ نجدة بشارة

مثلما كانت الحرب قدراً، كان السلام دعاء مستجاباً، وإرادة تحدّت الصعاب، أيضاً محطات ومواقف عديدة. بدأ مارثون التفاوض منذ أكتوبر العام الماضي في عاصمة دولة جنوب السودان بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية وعدد من الحركات المسلحة، واستمر المخاض والشد والجذب بين الأطراف المتناحرة  إلى أن اكتملت الرحلة وأصبح السلام واقعًا معاشاً، بالتوقبع على الاتفاقية الشاملة  في الثلاثين من أغسطس 2020م، لتنهي بذلك  حرباً امتدت لما يقارب ربع القرن، فكيف كانت رحلة السلام من البداية حتى محطة الوصول؟! يذكر أن الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، حددت تحقيق السلام العادل في الفترة الانتقالية في مدة لا تتجاوز ستة أشهر، وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها ومعالجة قضايا التهميش. ولعل الحكومة الانتقالية التقطت القفاز ودخلت في ماراثون المفاوضات في مثل هذا التوقيت من العام المنصرم 2019م، حيث انطلقت بمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، مفاوضات السلام بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة، لإنهاء الحروب الأهلية الدائرة في أجزاء متفرقة من البلاد منذ سنوات.

أول الغيث قطرة

من خلال الجولة الأولى من محادثات السلام وجلوس الحكومة السودانية والجبهة الثورية إلى طاولة المفاوضات، وافقت الحكومة، على السماح بإدخال مساعدات إنسانية إلى الولايات الثلاث التي مزقتها الحرب، النيل الأزرق، جنوب كردفان، ودارفور، واعترف مراقبون وقتها بأن الملف بدأ يسير في الخط الصحيح، لكن في ذات التوقيت، تفاجأت الأوساط السياسية بإرجاء لجنة الوساطة لمفاوضات السلام بين الحكومة الانتقالية السودانية والحركات المسلحة، الجولة الثانية للمفاوضات التي كان مقرراً انعقادها في عاصمة جنوب السودان “جوبا”، 21 نوفمبر، إلى10 ديسمبر، لأسباب تتعلق بإجراء مزيد من المشاورات والترتيبات بين الأطراف المعنية، وعولوا على أن تكون الجولة المقبلة نهائية وحاسمة في حل قضايا عدة مطروحة للتفاوض.

جدل المسارات

إذا ما ألقينا نظرة عن قرب على اتفاقيات المسارات الفرعية، فقد شكلت قضية الاتفاق في المسارات جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية، بين مؤيد لتقسيم عملية السلام على حسب الموقع الجغرافي، وبين مبارك لها ويبرر بأن ذلك يساهم في الدفع بعجلة السلام، ونجد أن “مسارات” التفاوض للشمال والوسط والشرق التي تم إقحامها بين الفرقاء السودانيين، أثارت الكثير من الجدل لما اعتبرت حالة السلام بهذه الأقاليم، لكن الوساطة وأطراف التفاوض لا تبدو مكترثة بالتحفظات، والجدير بالذكر أن كيان الشمال تأسس عام 2005 عقب توقيع اتفاق السلام مع متمردي جنوب السودان كواجهة جهوية مطلبية ضمت حينها كل الطيف السياسي، فيما ظل بعض أهل الشمال ينظرون للكيان بتحفظ وينتقدون تمثيله للمنطقة، لكن مسار دارفور كان أكثرها تعقيدًا؛ لأنها قامت على ثمانية بروتوكولات شائكة ومتشعبة، تشمل تقاسم السلطة والثروة، وحيازات الأرض والحواكير، والعدالة الانتقالية، والتعويضات وجبر الضرر، وتنمية قطاع الرُحَّل والرعاة، والنازحين واللاجئين، والترتيبات الأمنية الخاصة باستيعاب قوات الحركات المسلحة في أجهزة الدولة، وفيما يتعلق بإدارة إقليم دارفور، استند بروتوكول تقاسم السلطة إلى المادة (10/2) من اتفاق القضايا القومية، والتي نصت على إعادة نظام الأقاليم القديم خلال ستين يومًا من تاريخ التوقيع النهائي على اتفاقات جوبا. وتقضي الإعادة بتوحيد ولايات دارفور الخمس في إقليم واحد في ظل نظام حكم فيدرالي. ويكون تمثيل الأطراف المكونة لمسار دارفور في إدارة الإقليم 40%، وتمثيل الحكومة الانتقالية 30%، والحركات الموقعة الأخرى 10%، وأصحاب المصالح المحلية 20%.

الولاة والمجلس التشريعي

في بدايات نوفمبر من العام الجاري، انضم نائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) لطاولات التفاوض وأعلن عن انطلاق جولة مفاوضات جديدة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، وسط تفاؤل حذر بالتوصل إلى اتفاق، لكن اصطدم وفدا التفاوض بموضوع تعيين الولاة، وتشكيل المجلس التشريعي، وبررت الحكومة الانتقالية في حديث لمحمد حسن عثمان التعايشي عضو مجلس السيادة بالسودان، الناطق الرسمي باسم وفد الحكومة الذي أكد أن الحكومة ترى أن تكليف ولاة مدنيين لحين توقيع اتفاق سلام نهائي؛ لا يتعارض مع السير في المفاوضات إلى النهايات المنطقية، وفي نفس الوقت يخدم استقرار الفترة الانتقالية.

جائحة كورونا

في مارس من ذات العام توقفت كل مظاهر الحياة في العالم بسبب اجتياح جائحة كورونا، وفي جوبا استمرت محادثات دون أن تتأثر بالإجراءات الصحية التي فرضتها حكومة جنوب السودان لمواجهة جائحة «كورونا». وشددت على أن الوساطة متمسكة باستمرار التفاوض حتى الوصول إلى اتفاق سلام شامل.

رحيل وزير الدفاع

أثار رحيل وزير الدفاع السوداني الفريق أول ركن جمال عمر محمد إبراهيم، عضو وفد التفاوض الحكومي، بصورة مفاجئة بعاصمة دولة جنوب السودان، صدمة كبيرة بين الجانبين. حيث رحل جمال ليقدم أروع نموذج للإيثار وهو يشارك في المفاوضات مع الحركات المسلحة بشأن الترتيبات الأمنية وإعادة دمج وتسريح قواتها بُعيد توقيع اتفاقية السلام، ونتج عن وفاته تعليق التفاوض لمدة أسبوع.

عقبة الترتيبات الأمنية

في أغسطس أغلقت الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية ملف الترتيبات الأمنية الذي ظلّ يشكل عائقاً أمام السلام، ومهّد توقيع الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة مالك عقار، على الاتفاق الأمني الذي قضى بدمج مقاتلي الحركة في الجيش السوداني، كآخر ملفات التفاوض مع الحركة، وهو ما عضده رئيس الوفد الحكومي المفاوض، الفريق أول محمد حمدان دقلو، حين قال إن الحكومة تمضي بذات العزم والهمة التي بدأتها في محادثات السلام وصولاً إلى اتفاق سلام دائم يُنهي معاناة الشعب ويحقق الأمن والاستقرار. ونص الاتفاق على أن تتم عملية دمج مقاتلي الحركة الشعبية شمال ـ مالك عقار، عبر ثلاث مراحل مدتها 39 شهراً. ويكمُن الغرض النهائي من هذه الاتفاقية أن تكون القوات المسلحة السودانية الجيش المهني الوطني الوحيد ودمج كافة القوات الأخرى.

القضايا القومية

بين أضابير الملفات مثلت القضايا القومية التحدّي الأكثر صعوبة في المفاوضات؛ لأنها تناولت المبادئ العامة المرتبطة بشكل الدولة ودور السلطات الثلاث، وقضايا المواطنة وتقاسم السلطة والثروة، وإدارة التنوع بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، ومبادئ العدالة الانتقالية القائمة على محاسبة مرتكبي الجرائم، وتعويض الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية.

بناءً عليه، اشتملت اتفاقية القضايا القومية على 30 مادة، استندت إليها اتفاقيات المسارات الفرعية. ومن أهم المواد التي جاءت في اتفاقية القضايا القومية، المادة (2) التي نصَّت على فترة انتقالية، تكون مدتها 39 شهرًا، “يبدأ سريانها من تاريخ التوقيع على اتفاق السلام”.

الأحرف الأولى

وفي 30 أغسطس 2020م، أصبح السلام أمراً واقعاً وملموساً عندما وقع ممثلون للحكومة الانتقالية والجبهة الثورية السودانية التي تضم أربع حركات مسلّحة بالأحرف الأولى اتفاقاً لإنهاء 17 عاماً من الحرب الأهلية، على البروتوكولات الثمانية التي تشكل اتفاق السلام: الأمن وقضية الأرض والحواكير والعدالة الانتقالية والتعويضات وجبر الضرر وبروتوكول تنمية قطاع الرحل والرعاة وقسمة الثروة وبروتوكول تقاسم السلطة وقضية النازحين واللاجئين. ليكتمل عقد التوقيع في أكتوبر الماضي رغم عدم التحاق حركة عبد الواحد محمد نور  وحركة الحلو التي ما زالت تبحث عن وفاق مع الحكومة الانتقالية، ليظل دخولهما للسلام هو السؤال الحائر الأبرز.

Exit mobile version