Site icon صحيفة الصيحة

الطاهر ساتي يكتب : الندِّية والدُّونية..!!

 

:: وكأنّه يقصد النُّخب السِّياسيَّة بالسُّودان، كتب الشاعر أحمد مطر:

متطرفون بكل حال .. إما الخلود أو الزوال
إما نحوم على العُلا .. أو ننحني تحت النعال
في حقدنا أرج النسائم جيفة .. وبحبنا روث البهائم برتقال

:: وهكذا تقريباً لسان حال واقعنا الذي تصنعه المشاعر بتطرُّف، وليس العقول بالحكمة.. وعلى سبيل المثال، نقرأ الخبر التالي: يعتزم (40 مُواطناً) من مُختلف القطاعات الاجتماعية زيارة إسرائيل خلال نوفمبر المُقبل، وقال البرلماني السابق ورجل الأعمال أبو القاسم برطم، زعيم هذه المُبادرة، قال – لـ”السوداني” – إنّهم تلقّوا رداً إيجابياً من جهات شعبية في إسرائيل، وإنّ الزيارة ذات طابع ثقافي وإنساني..!!

:: نعم، بُرطم من القلائل الذين طالبوا بالتطبيع مع إسرائيل في زمانٍ ما كان لأحدٍ بأن يتجرّأ بهذا الطلب ولو سِرّاً.. وفي إرشيف الصحف، بعد أسبوع من فوزه على، بلال عثمان بلال، مرشح المؤتمر الوطني ومُقرِّر لجنة ترشيح البشير للرئاسة، بدائرة دنقلا، في انتخابات العام 2015، قال برطم بوضوح: (أنا مع أهالي دائرتي حتى ولو طلبوا إقامة علاقات مع إسرائيل)..!!

:: قال برطم كلمته تلك، وتعرّض لسيلٍ من هجوم الفُلول لحد تنظيم مواكب الغضب بدنقلا، ومع ذلك لم يتراجع عن موقفه الصائب حسب تقديري.. نَعم، أَصَابَ برطم، وكذلك الحكومة، بالسير على خطى الثورة وأهدافها، ومنها الوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من كُلِّ دول العالم، بما فيها إسرائيل.. وبهذا الوقوف تكون قد عادت سياسة السودان الخارجية إلى مسار يُحَقِّق مصالح شعبنا، والتي منها درء المخاطر وكف الأذى عن البلاد..!!

:: وكما تعلمون، كانت سياسة السودان الخارجية قد ضلّت المسار الصحيح الذي يُحقق مصالح الشعب، إلى حيث مسار (الضد والمع)، وذلك بسبب مواقف حكومات مُتطرِّفة أهلكت البلاد لحدّ الانفصال والشعب لحدّ الاقتتال.. وكما أحسن برطم بالجهر في زمان الخوف، لقد أحسنت حكومة الثورة أيضاً وهي تمضي بشجاعة نحو بناء علاقات إيجابية مع كل دول العالم، بما فيها إسرائيل.. لقد أحسنوا..!!

:: ولكن ما بَالَ البعض الداعم لهذه العلاقات – ومنهم برطم – يتطرّف في الدعم لحدّ التفكير في الهرولة؟.. فالعزم على زيارة إسرائيل بوفد قوامه (40 مُواطناً)، قبل توقيع السلام واكتمال إجراءات العلاقات، نوعٌ من الهرولة والتزلُّف لإسرائيل، وهذا ما لا يُليق بالشجعان.. هناك منطقة وسطى في علاقات الدول والشعوب، تقع بين الهُيام والعداوة، مُسمّاة بالعلاقات المُتوازنة.. ومن الخطأ أن تكون علاقة السياسي مع الآخر إما كراهية بتطرُّفٍ أو حُبّاً بتطرُّف..!!

:: وعليه، فإنّ العلاقة مع إسرائيل – وغيرها – يجب أن تكون (ندية) وليست (دونية).. وعلاقة مصالح وليست علاقة مشاعر، وعلاقة عُقُول وليست علاقة قُلُوب.. وما لم تتحكّم النُّخب السِّياسيَّة في مشاعرها، قد نتفاجأ في شوارع الخرطوم بلافتات من شاكلة (ملحمة أورشليم) و(صالون شمعون للحلاقة) و(كافتيريا بئر سبع) و(الليكود لتحويل الرصيد)، وغيرها من ملامح العلاقات (الأزلية)، أي ذاك النوع من العلاقات التي جدواها لا تتجاوز الأشعار والشعارات..!!

Exit mobile version